أنا إبراهيم قريقع، فلسطيني أحمل في ذاكرتي أزقة غزة القديمة، وأقيم حاليًا في النرويج. بدأت رحلتي مع التقنية، مثل كثيرين من أبناء جيلي، بانبهار لا يضاهيه انبهار أمام الشاشات الأولى. كانت بداياتي مع أجهزة الكومودور 64 (Commodore 64) وما جاورها من أجيال، حيث كان الحاسوب لغزًا سحريًا أكثر منه أداة.
في تلك المرحلة، بدت البرمجة حلمًا بعيد المنال: طلاسم بلغة إنجليزية ورموز غريبة. ومع ذلك حاولت. أتذكر محاولاتي الأولى بلغت BASIC، وذلك الشعور الطفولي بالفخر عندما كتبت أول برنامج بسيط يطلب رقمين، ثم يعرض ناتج جمعهما. كان إنجازًا صغيرًا بلغة الآلة، لكنه كان قفزة كبيرة في داخلي.
نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما سمعت، وأنا في التاسعة أو العاشرة تقريبًا، أن "المجمع الإسلامي" في غزة ينظم معسكرًا صيفيًا مجانيًا لتعليم الحاسوب. التحقت به بلا تردد، وهناك فُتحت لي بوابة غيرت مساري - صخر.
لأول مرة، كان كل شيء بالعربية. لم أعد مضطرًا لتجاوز حاجز اللغة قبل أن أفهم المنطق البرمجي. ما زلت أذكر دهشتي وأنا أتنقل بين "تطبيق المصحف" و"تطبيق أركان الحج". رؤية آيات القرآن ومناسك العبادة معروضة بجلاء على شاشة إلكترونية، في ذلك الزمن تحديدًا، كانت تجربة تفوق الخيال. من هناك بدأت محاولاتي الجادة، وتشكل حلمي: أن أترك أثرًا في هذا العالم كما فعلت شركة صخر.
السياق التاريخي: غربة التقنية
قبل عام 1982، كانت التقنية في العالم العربي تعيش حالة من الغربة. الحواسيب تتحدث الإنجليزية فقط، والتعامل معها محصور في النخب الأكاديمية أو المؤسسات القادرة على استيعاب لغة العرب. كان الحاجز اللغوي جدارًا حقيقيًا يفصل الشباب العرب عن الإبداع البرمجي. كنا مستخدمين لأدوات لا تفهم لغتنا، ولا تعبّر عن هويتنا.
نشأة صخر: رؤية محمد الشارخ
وسط هذه الفجوة الرقمية، برز محمد عبد الرحمن الشارخ برؤية سبقت عصرها. لم يكن هدفه استيراد التقنية، بل "توطينها". آمن بأن تعريب الحاسوب شرط لأي نهضة معرفية عربية. أسّس شركة "العالمية" وأطلق مشروع "صخر" بالتعاون مع شركات عالمية، ضمن بيئة MIX، واضعًا العربية في قلب التجربة، لا على هامشها.
الإنجاز التقني: عندما نطق الحاسوب بالضاد
إطلاق حاسوب صخر لم يكن منتجًا تجاريًا فحسب، بل حدثًا ثقافيًا وتقنيًا. دعم العربية لم يكن شكليًا، بل عميقًا في طريقة عرض النصوص ومعالجتها، من اتجاه الكتابة إلى تشابك الحروف. فجأة ظهرت برامج تعليمية، وأدوات، وتطبيقات بواجهات عربية كاملة. تحوّل الحاسوب من آلة غريبة إلى جهاز مألوف داخل البيت العربي.
التقاطع بين التقنية والدين: المصحف الرقمي
حين أصبحت العربية ممكنة تقنيًا، أصبح من الطبيعي أن يدخل القرآن إلى هذا العالم. معالجة نص مشكّل كالنص القرآني كانت تحديًا كبيرًا، لكن تقنيات صخر مهّدت الطريق. ظهرت أولى برمجيات القرآن الكريم، ليس كنص جامد، بل كمنظومة قابلة للبحث والتفاعل. تطبيق أركان الحج، الذي أبهرني طفلًا، كان مثالًا مبكرًا على هذا التلاقي بين التقنية والعبادة.
أثر شخصي: بذرة لم تمت
تلك الشاشة الزرقاء في المجمع الإسلامي لم تكن مجرد دورة صيفية، بل كانت بوصلة. هناك أدركت أن البرمجة يمكن أن تخدم اللغة والدين معًا، وأن التقنية ليست وظيفة فقط، بل رسالة. هذا الوعي رافقني لاحقًا، ووجّه اهتمامي بتقنيات اللغة والقرآن، ولا يزال.
خاتمة: نحو المستقبل
اليوم، في عصر الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغات الطبيعية، يبدو هذا المسار أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. ما نراه من تقدم في فهم العربية وتحليل النص القرآني هو امتداد لتلك البدايات المبكرة. الرواد مهدوا الطريق، وعلينا نحن إكماله، حتى تظل لغتنا وتراثنا في قلب الثورة الرقمية القادمة.
أتذكر تلك الأيام، وأتذكر القائمين على ذلك المشروع الرائد،
*ولهم — بعد الله — فضل كبير عليّ إن كنت اليوم مبرمجًا جيدًا. *