شهدت جامعة الملك سعود في الرياض انعقاد مؤتمر الذكاء الاصطناعي والتقنية في خدمة القرآن الكريم، خلال الفترة من 26 إلى 30 أبريل 2026 م، بمشاركة نخبة من الباحثين والمتخصصين في علوم القرآن وتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسط حضور علمي لافت ناقش آفاق توظيف التقنيات الحديثة في خدمة النص القرآني ترجمةً وتفسيرًا وتلاوةً وتعليمًا.
شهدت الجلسات العلمية للمؤتمر، والتي امتدت على مدار اليومين الأخيرين (29–30 أبريل) طرح مجموعة من الأوراق العلمية المتخصصة، التي عكست عمق التحول في هذا المجال، وأكدت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في إعادة تشكيل طرق إنتاج المعرفة والتعامل معها، مع التشديد على ضرورة ضبطه بالمنهج العلمي والمرجعية الشرعية لضمان دقته وموثوقيته في القضايا المرتبطة بالقرآن الكريم.
الأوراق العلمية التي ناقشها المؤتمر في اليوم الرابع
شهد اليوم الرابع من المؤتمر (اليوم الأول في الأوراق العلمية) ستعراض ثلاث أوراق علمية نوعية، إلى جانب حفل تكريم نخبة من المبدعين والرعاة الذين أسهموا في إنجاح المؤتمر.
1. الترجمة الآلية لمعاني القرآن الكريم | د. وليد العمري
تناولت ورقة د.وليد إشكالات استخدام الذكاء الاصطناعي في ترجمة القرآن الكريم، موضحة أن النص القرآني يتميز بتعدد دلالاته وعمقه التفسيري، مما يجعل ترجمته آليًا مهمة شديدة التعقيد.
وعرضت الورقة أبرز التحديات، ومنها: تعدد المعاني، والهلوسة في النماذج اللغوية، والتحيز في البيانات، وضعف التحقق المرجعي. ودعت إلى تطوير نموذج لغوي متخصص بالقرآن الكريم يعمل ضمن إطار تكاملي بين الذكاء الاصطناعي والمتخصصين الشرعيين.
تحميل الورقة العلمية
2. تجربة التفسير بالذكاء الاصطناعي | د. عبد الرحمن الشهري
أشار د.عبد الرحمن الشهري لحساسية مجال تفسير القرآن الكريم وأنه لا يقبل الاجتهادات غير المنضبطة، واستعرض تجربته العملية في استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وClaude وGemini في مجال التفسير.
وأكد أن هذه النماذج أصبحت أكثر تطورًا وقدرة على دعم الباحث في شرح المفردات والتحليل اللغوي وربط الآيات، لكنها تظل أدوات مساعدة لا يمكن أن تحل محل المفسر المتخصص.
وشدد على أن التفسير علم دقيق يتطلب ضبطًا علميًا صارمًا، مؤكدًا أن النموذج الأمثل يتمثل في التكامل بين الذكاء الاصطناعي والمصادر الموثوقة والإشراف البشري المتخصص.
تحميل الورقة العلمية
3. المرتل الذكي: توليد تلاوات صوتية لترجمات القرآن الكريم | د. مجدل بن سفران
تناولت الورقة مشروع المرتل الذكي القائم على توليد تلاوات صوتية واقعية لترجمات معاني القرآن الكريم باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي الصوتي.
ويهدف المشروع إلى تجاوز تحديات ندرة المحتوى الصوتي، وارتفاع تكلفة الإنتاج التقليدي، وصعوبة ضبط النطق في اللغات المختلفة، عبر استخدام نماذج متقدمة مثل StyleTTS2.
وأظهرت النتائج الأولية قدرة النظام على إنتاج صوت طبيعي خلال ثوانٍ، مع تحسينات كبيرة في جودة النطق وتقليل الأخطاء، ما يفتح آفاقًا واسعة لنشر معاني القرآن عالميًا بعدة لغات.
تحميل الورقة العلمية
أبرز المخرجات والتوصيات
- أهمية بناء قواعد بيانات قرآنية موثوقة لتغذية النماذج الذكية
- تعزيز التكامل بين المؤسسات الشرعية والتقنية
- ضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في التفسير والترجمة
- تطوير نماذج متخصصة تراعي خصوصية النص القرآني
حفل التكريم
اختتم اليوم الأول من الأوراق العلمية بحفل خطابي، استهل الحفل بتلاوة آيات من القرآن الكريم، تلاها عرض تقديمي جسد التعاون بين كلية التربية بجامعة الملك سعود وجمعية مكنون، مع تدشين أعمال المؤتمر.
بعدها، ألقى رئيس جامعة الملك سعود د.علي بن محمد مسملي كلمة الحفل التي بين فيها أهمية الجامعة كحاضنة للابداع وتسخير أدواتها لخدمة القران الكريم وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يناسب قدسيته

وتم استعراض مجموعة من مسارات التعاون النوعية بين جامعة الملك سعود وجمعية مكنون، والتي تهدف إلى إثراء التجربة القرآنية لدى الطلاب وتعزيز ارتباطهم بالممارسة العملية.
شملت المسارات:
- تطبيق القرآن مباشر لربط الطلاب بالمقرئين المجازين، بما يتيح لهم التلقي المباشر وتصحيح التلاوة على أيدي مختصين
- تطبيق تعاهد لفتح مسارات مراجعة منظمة بين الطلاب تسهم في تثبيت الحفظ وتعزيز المراجعة التشاركية
- منصة أندى للتلاوات الصوتية لتمكين الطلاب من المشاركة ونشر تلاواتهم ضمن بيئة رقمية
بالمقابل، أكدت الجامعة التزامها بإعداد دراسة علمية معمقة تتناول الضوابط الشرعية لتصحيح القرآن الكريم وتهدف لوضع الأطر العلمية والمنهجية التي تضمن دقة الأداء القرآني ومواكبة التطورات التقنية برؤية شرعية.
وفي ختام الحفل، تم تكريم كافة الباحثين والجهات الراعية للمؤتمر تقديرًا لمساهماتهم القيمة.
الأوراق العلمية التي ناقشها المؤتمر - اليوم الخامس
استكمل [اليوم الخامس للمؤتمر (اليوم الثاني للأوراق العلمية) مناقشة أربع أوراق علمية ركزت على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي في خدمة القرآن الكريم، وما يصاحبها من تحديات وفرص
1. القرآن الكريم والواقع الممتد | م. ناهض الحربي
تناولت الورقة استخدام تقنيات الواقع الممتد (XR) في تحسين تجربة قراءة القرآن الكريم، وأوضحت أن هذه التقنيات تتيح بيئات قراءة غامرة تعزز التركيز والتدبر، وتوفر تجارب تعليمية تفاعلية للحفظ، إضافة إلى تسهيل القراءة للفئات الخاصة مثل كبار السن.
ورغم الإمكانات الكبيرة لتقنيات الواقع الممتد، نوقشت أبرز التحديات التي تتعلق بها كالتكلفة والجدوى العملية، وضرورة دمج هذه التقنيات مع محتوى تعليمي وتفسيري متكامل.
تحميل الورقة العلمية
2. أنظمة الذكاء الاصطناعي في التعليم | د. أحمد خرصي
تناولت الورقة تحدي تعليم القرآن عالميًا، مشيرة إلى الحاجة لتقنيات تدعم أكثر من ملياري مسلم، خصوصًا غير الناطقين بالعربية.
واستعرض د. أحمد نماذج لأنظمة تصحيح التلاوة باستخدام التعرف الصوتي، التي تتيح تعلمًا مستمرًا منخفض التكلفة، مع تصحيح فوري للأخطاء ومتابعة الأداء، وأكد أن هذه الأنظمة لا تستبدل المعلم، لكنها تسهم في سد فجوة الوصول إليه، مع ضرورة تطوير بيانات صوتية عالية الجودة.
تحميل الورقة العلمية
3. الضوابط الشرعية لتفسير القرآن الكريم بالذكاء الاصطناعي | د. مساعد الطيار
قدم د.مساعد تأصيلًا علميًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في التفسير، مؤكدًا ضرورة الالتزام بضوابط شرعية صارمة.
وشدد على أن التفسير لا يقوم على الاحتمالات، بل على مراد الله تعالى، مع ضرورة الاعتماد على مصادر السلف، والتمييز بين التفسير والاستنباط، ووجود إشراف بشري على المخرجات.
وحذر من الاعتماد غير المنضبط على النماذج التوليدية بسبب ما قد تنتجه من أخطاء أو هلوسة معرفية.
تحميل الورقة العلمية
4. المنصات التعليمية الذكية لتحفيظ القرآن | أ. سليمان الأحيدب
ناقش أ. سليمان تحديات بناء المنصات التعليمية القرآنية، مؤكدًا أن أبرز الإشكالات تبدأ من غياب التخطيط المؤسسي قبل بناء الأنظمة التقنية. ودعا إلى اعتماد منهج تدريجي يبدأ بالسياسات والإجراءات قبل البرمجة، مع تفضيل الحلول الجاهزة لتقليل التكلفة والمخاطر.
كما استعرض نموذج عملي لتطبيق راصد الحلقات وهو تطبيق مجاني من جمعية مكنون لإدارة حلقات التحفيظ، يقدم حلولًا عملية لخدمة جمعيات المملكة لإدارة الطلاب والتقارير والتقييم.
تحميل الورقة العلمية
أبرز المخرجات والتوصيات
- تطوير بيانات صوتية ونصية موثوقة
- تعزيز التكامل بين التقنية والعلوم الشرعية
- تدريب الكوادر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي
- تبني حلول جاهزة بدلًا من بناء أنظمة مكلفة من الصفر
خلاصة المؤتمر
أكد المؤتمر أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تقنية مساعدة، بل أصبح مجالًا معرفيًا قادرًا على إعادة تشكيل طرق التعامل مع القرآن الكريم، وفتح آفاق غير مسبوقة في التعليم والترجمة والتلاوة، شريطة الالتزام بثلاثة عناصر أساسية:
- الضبط العلمي
- المصادر الموثوقة
- الإشراف البشري المتخصص
وأبرز بوضوح أن التقنية وسيلة داعمة، لا بديل عن الإنسان، وأن مستقبل خدمة القرآن الكريم يكمن في التكامل بين العلم الشرعي والابتكار التقني.