البرمجيات مفتوحة المصدر تُبنى على ثقة. أنت تفتح كودك للناس على أمل أن يُستخدم بأمانة، أو يُطوَّر، أو يُستفاد منه ضمن الروح التي وضعته من أجلها. لكن ماذا يحدث حين يُؤخذ هذا الكود، يُعاد تغليفه بإعلانات، ويُعاد نشره وكأنه عمل شخص آخر؟ هذه قصتي مع مشروعي check-hadith، أداة للبحث في الأحاديث النبوية والتحقق منها عبر واجهة دُرر السنية، ونشرتها على GitHub تحت رخصة MIT.
لماذا اخترت رخصة MIT؟
اخترت MIT لأنها من أكثر الرخص تحررًا: تسمح لأي شخص بأخذ الكود، تعديله، وحتى استخدامه تجاريًا، طالما يحتفظ بإشعار حقوق النشر والرخصة الأصلية. كان هدفي الأول، وقبل أي شرط آخر، أن يُستخدم الكود بطريقة تحترم قواعد الشريعة الإسلامية، والهدف الثاني، وهو أقل أهمية من الأول، أن يُذكر المصدر. لم أكن أعارض الاستخدام التجاري بحد ذاته، ولا حتى استخدام الكود في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي؛ فهذا حق مشروع تتيحه الرخصة بوضوح، ولا مانع عندي منه. اخترت أكثر الرخص انفتاحًا بالضبط لهذا السبب: لم يكن يهمني تقييد الاستخدام التجاري أو تقنيات إعادة الاستخدام الحديثة كالتدريب على البيانات، بل كان يهمني أمر واحد أعلى من كل شرط قانوني: أن يبقى الاستخدام منضبطًا بما يوافق الشريعة.
المشروع لم يكن مجرد كود عابر؛ كان مساهمة دينية تهدف لخدمة الباحثين عن صحة الأحاديث النبوية. فتحت مصدره ليُستخدم ويُطوَّر في هذا السياق، لا ليُستغل دون اعتبار لمضمونه أو للجهد المبذول فيه.
لكن هنا يكمن قصور رخصة MIT نفسها: هي رخصة قانونية بحتة، لا تتضمن أي بند يحمي الغاية أو السياق الذي وُلد المشروع من أجله. لا يوجد فيها ما يمنع صراحةً استخدام الكود في غرض لا يحترم الشريعة، أو يستغل محتوى دينيًا بطريقة تجارية لا تتوافق مع روح المشروع. بعبارة أخرى، الرخصة تحمي حق نسب المصدر، لكنها لا تحمي القيمة أو الهدف الذي من أجله فُتح الكود أصلًا. هذه ثغرة أدركتها متأخرًا: حماية الكود قانونيًا لا تعني بالضرورة حماية الغاية التي صُمم من أجلها.
حين اكتُشف الانتهاك
في مرحلة ما، لاحظت أن نسخة من البرنامج تُنشر على موقع آخر، بنفس الوظائف وبنية الكود الأساسية، لكن مع إضافتين رئيسيتين: لا ذكر للمصدر الأصلي، وإعلانات مضافة لتحقيق دخل من جهد لم يبذله الناشر الجديد. هذا يخالف رخصة MIT بشكل مباشر من جهة الإشعار، ويخالف الروح التي أُنشئ المشروع من أجلها من جهة أخرى.
النقطة التي أردت توضيحها هنا ليست معاداة للربح المادي، بل الاستغلال الذي لا يحترم لا القانون (غياب نسب المصدر) ولا الغاية الأصلية للمشروع، الذي صُمم لخدمة محتوى ديني لا لتحويله إلى أداة لتحقيق أرباح إعلانية دون أي مقابل أو اعتراف بالجهد الأصلي.
كيف اكتشفت الموقع المخالف باستخدام DMCA
استخدمت سكربت DMCA (شارة/أداة الحماية الخاصة بـ DMCA.com) وأضفته إلى موقعي. هذه الخدمة توفر آليات لتتبع استخدام المحتوى عبر الإنترنت، وبالفعل ساعدتني في تحديد الموقع الذي قام باستنساخ الكود وإعادة نشره دون نسب المصدر.
كانت هذه نقطة تحول مهمة، لأنها حوّلت الشك إلى دليل ملموس: موقع محدد، محتوى مطابق، وانتهاك واضح لشروط الرخصة.
العقبة: تكلفة المتابعة القانونية
بعد التعرف على الموقع المخالف، تواصلت مع DMCA لمتابعة الإجراء القانوني، إلا أنني فوجئت بأن المتابعة الكاملة تتطلب مبالغ مادية. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية لمعظم المطورين المستقلين في المشاريع مفتوحة المصدر: لديك الحق القانوني، ولديك حتى الدليل، لكن تكلفة تفعيل هذا الحق تتجاوز ما يستطيع مطور فردي أو مشروع غير ربحي تحمّله.
هذه واحدة من المفارقات الكبرى في عالم المصادر المفتوحة: الرخصة تحميك على الورق، لكن إنفاذها عمليًا قد يكلف أكثر من قيمة المشروع نفسه.
ماذا تعلمت من هذه التجربة؟
- رخصة MIT بسيطة، لكنها ليست بلا أسنان: الإشعار بحقوق النشر شرط أساسي، وانتهاكه قابل للتوثيق والتتبع.
- الرخصة قانونية لا أخلاقية أو دينية: MIT لا تتضمن أي بند يمنع صراحةً استخدام الكود في غرض لا يحترم الشريعة أو يخالف الغاية الدينية التي أُنشئ المشروع من أجلها. فهي تحمي حق نسب المصدر فقط، لا روح المشروع أو سياقه.
- أدوات تتبع المحتوى مفيدة عمليًا: استخدام سكربتات حماية مثل DMCA على الموقع يتيح كشف عمليات النسخ المماثلة بسرعة.
- الإنفاذ القانوني له تكلفة حقيقية: امتلاك الدليل لا يعني بالضرورة القدرة على المتابعة، خصوصًا لمطور مستقل دون دعم مؤسسي.
- القيمة الأخلاقية للمشروع تتجاوز نص الرخصة: حين يكون الهدف الأصلي خدمة محتوى ديني، فإن تحويله لغرض تجاري بحت دون احترام السياق يمثل إشكالًا أعمق من مجرد مخالفة بند قانوني.
المشكلة الحقيقية: غياب رخصة شرعية مخصصة وجهة حماية مختصة
ما كشفته هذه التجربة، بعد التفكير المتأني فيها، ليس مجرد ثغرة في رخصة MIT أو صعوبة المتابعة القانونية، بل مشكلة أعمق وأشمل: لا توجد رخصة برمجية مخصصة تُلزم المستخدم باحترام أحكام الشريعة الإسلامية عند استخدام أو تعديل أو إعادة نشر الكود. كل الرخص المعروفة، من MIT إلى GPL وما بينهما، صيغت ضمن أطر قانونية غربية تُعالج حقوق النشر والمسؤولية والتراخيص التجارية، دون أي اعتبار لضوابط شرعية كمنع الاستغلال غير المشروع، أو ضمان عدم تحويل محتوى ديني إلى وسيلة لا تحترم غايته الأصلية.
والمشكلة الثانية، المرتبطة بالأولى، هي غياب جهة أو هيئة مختصة تحمي المشاريع الإسلامية مفتوحة المصدر وتتابع الانتهاكات نيابة عن المطورين المستقلين. اليوم، كل مطور يجد نفسه وحيدًا في مواجهة من يستغل عمله: لا رخصة تنص بوضوح على الضوابط الشرعية، ولا جهة تتكفل بالمتابعة القانونية أو حتى بالتوسط الأخلاقي عند وقوع الانتهاك. النتيجة أن المطور يضطر لتحمّل تكلفة الإنفاذ بمفرده، وغالبًا يتنازل لأن التكلفة تفوق الجهد المبذول في المشروع نفسه.
هذه التجربة، في تقديري، يجب أن تكون دافعًا لنقاش أوسع داخل مجتمع المطورين المسلمين: هل حان الوقت لصياغة رخصة برمجية تأخذ بعين الاعتبار الضوابط الشرعية إلى جانب الشروط القانونية المعتادة؟ وهل يمكن إنشاء جهة أو مبادرة جماعية، حتى لو كانت تطوعية في البداية، تتولى حماية ومتابعة المشاريع الإسلامية مفتوحة المصدر؟ بدون هذا الإطار، سيبقى كل مطور يخوض هذه المعركة بمفرده، وستبقى المشاريع الدينية مفتوحة المصدر عرضة للاستغلال دون رادع فعلي.