للعلم تربة لا ينبت إلا فيها، وأول طِيبها خفض الجناح ولين الجانب. وهذا عين ما رأيته في لقاء آل إتقان؛ أدب يسبق المعرفة ويقترن بها.
ورغم ما يداخل المرء عادة من تهيب حين يلقى أهل العلم والخبرة، إلا أن ترحيبهم الحار وبشاشتهم أزالت كلفة اللقاء الأولى، حتى شعرت كأنني فرد منهم منذ البدء.
كان اللقاء محكم الترتيب، وتسري في ثناياه مودة لا كلفة فيها، حيث يسعى المرء في نفع أخيه بصدق.
وقد تجلت آداب الطلب من حسن إنصات، ودقة في الجواب، وتوقير متبادل في الخطاب؛ فكأن المجلس حلقة علم تجمعها السكينة.
وممّا علق بقلبي أنه لما حان وقت الصلاة، قام الجميع إليها معاً بلا تخلف. وهذا مشهد قلما تراه في محافل أهل التقنية والتعليم المعاصرة؛ ففي غير هذا اللقاء، يضطر الحريص على الصلاة للبحث عن مكان خفي يصلي فيه بمفرده بينما لا يكترث الباقون.
فلما أقيمت الصلاة، اصطف الحضور في سكينة ووقار تامين؛ فكانت الصلاة جامعاً للقلوب، وأزالت أي كلفة أو جفاء. وهناك ترى العالم بالشريعة والمهندس الحاذق يقفان في صف واحد متجاورين بغير تميز.
ولم تقتصر أحاديث اللقاء على مجرد عرض المهارات، بل دارت حول سبل تطويع التقنية لخدمة القرآن وأهله. وكان تركيز الحاضرين يدور حول أمرين: التذكير بإخلاص النية لله وتصحيح المقصد، والعناية بالبرمجيات مفتوحة المصدر لئلا نضيع الأوقات في إعادة اختراع العجلة؛ فالكل يبني على ما شيده غيره.
ومما سرني في هذا الباب، مبادرة بعض الأفاضل بالاستفسار عن سبل تيسير هذه البرمجيات والمشاريع المعقدة للمكفوفين؛ فكان التفاتاً نبيلاً يبرز شمول النفع وعدم إغفال أي فئة تسعى للتعلم.
وتيسير هذه الموارد للناس هو أثر ظاهر من آثار حفظ الله لكتابه، إذ يسخر له عقولاً وسواعد تبذل جهدها وعلمها لخدمة كتاب الله بغير أجر دنيوي.
لقد انقضت الساعات الخمس للملتقى سريعة، ولم يشعر أحد بطول الساعات لطيب المذاكرة وبركة الجمع، وخرجت منه موقناً بعظيم أثر الجماعة إذا خلصت النيات وتوحدت الغاية في نصرة كتاب الله.
ويسعدني أن يشاركنا كل من حضر اللقاء انطباعاته وما علق بذهنه في التعليقات.
تذييل: لمن لم يتيسر لي التواصل معه من الإخوة الأفاضل في الملتقى، فيسعدني تواصله عبر التليجرام: @كمال ياسر