بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فإن القرآن الكريم هو كلام الله المبين، نتقرب جميعاً إلى الله بتلاوته وبتعلمه وتعليمه؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». ومنذ أن نزل هذا الوحي الشريف على النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، يتسابق أهل القرآن في تعلمه وتعليمه لتحصيل تلك الخيرية؛ ولأن القرآن الكريم هو مصدر عز وشرف هذه الأمة، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم وعزكم.
ولأن القرآن الكريم وصل إلينا بالتلقي من شيخ عن شيخ إلى أن ينتهي الإسناد برب العزة جل وعلا سبحانه وبحمده؛ فإن الكثير من أهل القرآن يتنافسون ليكونوا إحدى حلقات هذا الإسناد الشريف العظيم، يبتغون بذلك وجه الله ورضوانه.
وإن من أعظم صور نقل القرآن كما أنزل وتلقينه للناس (كبيرهم وصغيرهم) هو تسجيله صوتياً في شكل تلاوات محكمة مرتلة، مزينة بالصوت الحسن والأداء العالي؛ ليحببوا الناس في الاستماع للوحي ليهتدوا بهداياته، وليتزودوا بما فيه من المعاني العظيمة في طريق العبودية الموصل للآخرة.
وفي هذا المقال -ومن خلال تجربتي السابقة في المشاركة في عدة مشاريع لتسجيل التلاوات القرآنية للكثير من المشايخ المتقنين- أحببت أن أضع خلاصة تجربتي في شكل دليل إرشادي واضح المعالم؛ من باب تناقل الخبرات ونقل الفائدة وإفساح الطريق للمشاريع الجديدة، كما هو العهد في مجتمعنا المبارك (مجتمع إتقان)؛ لكي تبدأ من حيث انتهى الآخرون لا من نقطة الصفر.
أسئلة شائعة قبل البداية
قبل البدء في عرض هذا الدليل، سأطرح بعض الأسئلة التي تدور في ذهن الكثير من المهتمين بهذا الشأن، وأجيب عنها على عجالة:
- السؤال الأول: هل نحتاج لأدوات احترافية من لاقط ومكان معزول لتسجيل المصحف أو التلاوات بجودة فائقة؟
- السؤال الثاني: هل يشترط لتسجيل تلاوة أن أذهب لمكان (استوديو) مجهز بأحسن وأحدث الأجهزة؟
الإجابة: لا يشترط لتسجيل تلاوة بجودة عالية أن يكون عندك أدوات احترافية غالية الثمن، أو أن تذهب لمكان مخصص لهذا الغرض؛ حيث يمكنك أن تدرس البيئة التي تسجل فيها (وسأفصل في هذه النقطة بعد قليل)، ويمكن أن تصل لأحسن توليفة من الأدوات العادية التي يمكن أن تمنحك تسجيلات عالية الجودة يُعتمد عليها.
- السؤال الثالث: هل يمكن لأي أحد أن يسجل تلاوة للقرآن الكريم وينشرها؟
الإجابة والتنبيه: القرآن الكريم كلام الله المقدس، له معايير وأحكام وطرق للأداء والتلاوة، وينبغي لمن يتصدر لهذا الأمر أن يكون أهلاً له إن كان ينوي نشر هذه التلاوة على الناس، بأن يكون قد قرأ على المشايخ وحصل على إجازة بالإقراء والتعليم.
ولا ينبغي أبداً التساهل في هذا الأمر؛ لأن التساهل فيه يؤدي لانتشار تلاوات رديئة جداً من ناحية الأداء والأحكام، لا يُراعى فيها مواضع الوقف والابتداء ولا أحكام التلاوة والتجويد، والسبب هو تصدر الجهال أصحاب الصوت الجميل الذين يغنون بالقرآن ولا يعرفون كيف يُتلى.
الدليل الإرشادي (لمن لديه الأهلية العلمية للتلاوة والتسجيل)
ينقسم هذا الدليل إلى ثلاثة أقسام:
- دليل متعلق بالأدوات والمكان.
- دليل علمي متعلق بالتلاوة والأداء.
- دليل متعلق بالإنتاج والنشر والأمور الفنية.
أولاً: دليل الأدوات والمكان المستخدم في التسجيل
نُفرّق هنا بين المكان المهيأ والمجهز بالأدوات الاحترافية، وبين التسجيل في (البيت، أو المكتبة، أو المسجد):
- في حالة المكان الاحترافي المجهز: يكون العمل الفني بالكامل على هذا المكان (من حيث الأدوات، التحرير، أو الإنتاج)، ويكون على القارئ فقط الالتزام بالتعليمات المتعلقة بالأداء والتلاوة.
- في حالة التسجيل في البيت أو المكتبة أو المسجد: تتغير الأدوات بحسب الحال، ويمكنك تسجيل تلاوة عالية الجودة بالإمكانات المتاحة وفق الترتيبات التالية:
1. ترتيبات التسجيل باستخدام الجوال:
- برنامج التسجيل: استخدام برنامج تسجيل بصيغة ويف (WAV) مثل: Røde أو Shure MOTIV.
- التثبيت: استخدام حامل (ترايبود) لإمساك الجوال، ولا تمسك الجوال بيدك مطلقاً.
- وضعية الجوال: اجعل الجوال أمامك مواجهاً لك بشاشته، كأنك تسجل مقطعاً مرئياً لنفسك.
- المسافة: لا بد أن يكون الجوال بعيداً عن القارئ بمسافة من 5 إلى 10 سم.
- مكان التسجيل: الجلوس في غرفة مؤثثة فيها فرش وأثاث مثل المكتبة.
- وقت التسجيل: التسجيل في أوقات الهدوء حيث لا صوت للمكيفات، ولا سيارات، ولا ضوضاء في الشارع.
- ضبط حساسية اللاقط (Gain): اضبط الحساسية بحيث يكون مؤشر الصوت في النطاق الأخضر ولا يتجاوز -3 ديسيبل (حيث يتحول اللون للأحمر وهذا يعني تلفاً في بعض أجزاء الصوت)، ويفضل أن يكون مستوى الصوت بين -6 و -12 ديسيبل.
2. نصائح وإرشادات إضافية للأجهزة والملفات:
- اللواقط الموصى بها: إن كان لديك شيء من المال، أرشح لك شراء لاقط يعمل على الحاسب والجوال بكفاءة عالية جداً، مثل: Røde NT-USB+ أو Røde NT1 5th Gen.
- أجهزة التسجيل: لا تحتاج لجهاز زوم (Zoom) أو ما شابهه من الأجهزة الاحترافية؛ فالجوال يكفي، ولو كان معه لاقط كالذي ذكرت فالنتيجة ستكون مبهرة بإذن الله.
- اللواقط اللاسلكية: يمكن استخدام اللواقط اللاسلكية الحديثة التي تُستخدم للتسجيل في الأجواء المفتوحة وتتميز بعزل الصوت المحيط (خصوصاً في التسجيلات الحية من الصلاة)، مثل لواقط: Hollyland، DJI، وRøde وغيرها، وستعطي نتائج مبهرة جداً.
- حفظ الملفات وتسليمها: بعد التسجيل لا تنسَ حفظ التلاوة ثم تسليمها لمن يقوم بالعمل الفني ليجهزها لمرحلة النشر.
- الأرشيف النسخي: احتفظ دائماً بـ (النسخة الأصلية) من التسجيل، و(النسخة المنتجة) بعد التحرير وقبل إضافة أي مؤثرات، و(النسخة المحررة) التي أُضيف إليها مؤثرات مثل الصدى والتردد (Reverb & Delay).
ثانياً: تعليمات التلاوة والأداء أثناء التسجيل
(تُطبق سواء كانت التلاوة مسجلة في مكان احترافي أو مكان عادي)
- حضور الشيخ: القراءة بحضور شيخ متقن (أو أكثر إن أمكن) يستمع للتلاوة أثناء التسجيل، ويرد القارئ في حالة التقصير في الأداء التجويدي أو الصوتي أو في حالة الخطأ.
- القراءة من المصحف: الأصل هو القراءة من المصحف، ويمكن للقارئ الضابط المتقن أن يقرأ من حفظه إن كان ذلك أدعى للخشوع والتفنن في التلاوة.
- الالتزام بالرواية وطريقة الأداء من البداية حتى النهاية: فعلى سبيل المثال إذا بدأ القارئ برواية حفص عن عاصم بالتوسط من طريق الشاطبية (مد المنفصل) فعليه أن يلتزم بالرواية والطريق حتى ينتهي
- الوقف على رؤوس الآي: الوقوف على رؤوس الآيات وعدم دمجها أبداً، وخصوصاً في السور التي فيها آيات قصيرة (مثل: الصافات، الشعراء، وسور المفصل)، ومثل الموضع المشهور في سورة البقرة بين الآيتين 219 و220:
﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾
فالكثير من القراء لا يقفون على رأس الآية في هذا الموضع.
- الوقف والابتداء: الالتزام بالوقوف المشهورة والمشار إليها في المصاحف المعتمدة المطبوعة في العالم الإسلامي (مثل مصاحف مجمع الملك فهد، أو المصاحف المصرية الصادرة عن الأزهر)، وعدم الإغراب في الوقف والابتداء.
- المعالجة عند الخطأ: إن حصل خطأ أو تردد، ينبغي إعادة التلاوة من حيث آخر توقف.
- المراجعة والتحكيم: ينبغي إعادة الاستماع للتلاوة بعد الإنتاج من القارئ ومن الشيخ المحكّم.
- ضبط النغمة عند الترقيع: عند الحاجة لإعادة آية أو مقطع بعد التسجيل، ينبغي الاستماع للصوت الأصلي لمحاولة ضبط نغمة التلاوة في الجزء المعاد تسجيله؛ ليكون المقطع الجديد ("الرقعة") متجانساً مع التسجيل الأصلي.
- ثبات ظروف التسجيل: ينبغي أن تكون ظروف التسجيل واحدة من البداية حتى النهاية (مثل التسجيل بلاقط واحد، في مكان واحد، في نفس البيئة، وبنفس درجة الابتعاد عن اللاقط).
- التجربة الأولية: يستحسن إجراء تجربة قبل التسجيل للوصول لأفضل وضعية، ثم تثبيت العمل عليها.
ثالثاً: الأمور الفنية والإنتاج بعد التسجيل والنشر
أما ما يتعلق بالأمور الفنية بعد التسجيل، فينبغي القيام بالأعمال التالية:
- حفظ النسخة الأصلية: حفظ النسخة الأصلية من التسجيل في مجلد مستقل.
- إنشاء نسخة للإنتاج والتحرير: إنشاء نسخة من المادة المسجلة ليقوم الفني بعمل التحريرات اللازمة للإنتاج؛ من حذف وإزالة للفراغات، وتركيب للرقع المسجلة، وما إلى ذلك.
- خبرة القائم بالعمل الفني: لا بد أن يقوم بالعمل الفني شخص لديه الخبرة الكافية.
- حفظ النسخة المنتجة: الاحتفاظ بالنسخة المنتجة بعد التحرير والتعديل في مجلد مستقل.
- تسليم النسخة للمراجعة: تسليم النسخة المحررة والمعدلة للقارئ للمراجعة.
- استلام وتنفيذ الملاحظات: استلام الملاحظات من القارئ وتنفيذها على نسخة.
- إنشاء النسخة النهائية: تنفيذ التعديلات على نسخة من النسخة المحررة في مجلد مستقل لتكون هي النسخة النهائية للتلاوة.
- تسليم النسخة النهائية: تسليم النسخة النهائية للقارئ لمراجعتها.
- التعديلات اللاحقة: أي تعديلات بعد المراجعة الأولى تكون على النسخة النهائية من التسجيلات.
- نسخة المؤثرات الصوتية: إنتاج نسخة جديدة من التسجيلات بعد إضافة المؤثرات اللازمة في مجلد مستقل.
- تنظيم مجلدات صيغ الـ (WAV): عدد مجلدات التسجيلات بصيغة ويف (WAV) هو 5 مجلدات:
- مجلد النسخة الأصلية.
- مجلد النسخة المنتجة الأولية.
- مجلد النسخة المحررة (التي فيها التعديلات بعد النسخة الأولية).
- مجلد النسخة النهائية (التي تُنفّذ فيها التعديلات).
- مجلد النسخة التي فيها مؤثرات الصوت.
- إنتاج صيغة (MP3): قم بإنتاج نسخة من التلاوة النهائية بصيغة MP3 بجودة 128 على الأقل؛ مرة بالمؤثرات ومرة بدونها في مجلد مستقل.
- نشر المصحف: احرص على نشر المصحف المسجل بالمؤثرات وبدونها.
- تسمية السور: التسمية المعتادة للسور في التسجيلات هي بالتسلسل الرقمي من 001 إلى 114.
- التنظيم والتنبيه: انتبه جيداً كي لا تخلط بين التسجيلات في مراحلها المختلفة.