في زمن تتسارع فيه المشروعات التقنية والعلمية لخدمة القرآن الكريم، تبرز مبادرات نوعية تجمع بين الأصالة والتركيز على التفاصيل التطبيقية الدقيقة.
من بين هذه المبادرات ما قدّمه الشيخ محمد صالح الحُلواني في أحد اللقاءات العلمية بحضور عدد من الباحثين والمتخصصين في علوم القرآن والتقنيات الحديثة من فريق إتقان.
تناول اللقاء ثلاثة مشروعات علمية تطبيقية مترابطة، هي:
- مشروع دليل الوقف والابتداء الشامل السريع.
- مشروع التجويد الملوَّن الصحيح.
- مشروع تيسير التهجِّي للمبتدئين.
وقد كان الهدف من اللقاء عرض الرؤية الكاملة لهذه المشاريع ومناقشة منهجها العملي وإمكانية تحويلها إلى تطبيقات رقمية تخدم القرّاء والباحثين والمعلّمين على السواء.
المشروع الأول: دليل الوقف والابتداء الشامل السريع.
بدأ الشيخ محمد حديثه موضحًا أن فكرة مشروعه انطلقت من ملاحظته أن معظم ما كُتب في باب الوقف والابتداء اقتصر على التنظير والتقعيد مع التكرار والتقليد.
بينما قلَّ الجانب التطبيقي الذي يربط النص القرآني مباشرة بمواضع الوقوف كما وردت في كتب ومصاحف الوقف والابتداء المعتمدة.
ومن هنا بدأ يعمل على استخراج الوقوف الجائزة منها، ووقعت أول دراسته على مصحف الأزهر الأول برئاسة الشيخ عبد الفتاح القاضي وعضوية الشيخ الحصري رحمهما الله فوجد فيه خمسمائة وقف جائز زائد على وقوف مصحف مجمع الملك فهد بالمدينة النبوية.
ثم أفرغ بعده الوقوف الجائزة من كتاب (منار الهدى) للأشموني وتفاجأ أيضا بوقوف جائزة كثيرة لم يذكرها مصحف الأزهر.
فوسع دراسته حينئذ لتشمل كل كتب ومصاحف هذا العلم ليجد أن كل كتاب عبارة عن مدرسة خاصة في الوقف والابتداء تتفق مع غيرها في كثير من الوقوف وتخالفها في نفس الوقت في مواضع أخرى.
ولكل كتاب ومصحف انفراداته التي انفرد بها ولم يذكره غيره، ومن هذه الكتب والمصاحف:
- وقوف الإمام الهبطي
- مصحف شبه القارة الهندية
- مصحف الشيخ المخللاتي،
- وكتب أئمة الفن كـ: ابن الأنباري، والنحاس، والداني، والعَماني، وابن الغزال، والسجاوندي، وأبي العلاء العطار، والنكزاوي وغيرهم.
ليصل بذلك إلى بناء قاعدة علمية تجمع كل الوقوف الجائزة، واللازمة، والممنوعة الواردة في هذه الكتب والمصاحف والزائدة على مصحف مجمع الملك فهد.

آلية العمل وجمع البيانات
اعتمد المشروع على منهج المقارنة، حيث خصص الشيخ لكل كتاب رمزًا خاصًا يظهر في المصحف عند الموضع الذي ورد فيه الوقف، مثل:
(ج) للأشموني، (ز) للنكزاوي، (ح) للنحاس، (ص) للأنصاري، (س) للسجاوندي، وهكذا. بهذه الطريقة يظهر أمام القارئ موضع الوقف، ومعه جميع العلماء الذين أجازوه، فيستطيع بسهولة دراسة هذا الوقف من مصادره المعتمدة في أسرع وقت وبأقل مجهود.

ولا يهدف المشروع إلى فرض رأي واحد، بل إلى جمع الاجتهادات المعتبرة في مصدر واحد متكامل. فالعبرة ليست باتفاق العلماء بقدر ما هي بإتاحة العلم الموثق للدارسين والمقرئين.
الفائدة العلمية والتطبيقية
يُعد هذا المشروع مرجعًا بصريًا عمليًا للقرّاء وطلبة العلم، إذ يوفّر عليهم عناء البحث في عشرات الكتب. كما يُسهم في بناء قاعدة بيانات رقمية يمكن استخدامها في التطبيقات التعليمية القرآنية، بحيث تُربط كل كلمة من كلمات المصحف بالوقف الذي ورد عليها، مع بيان مصدره ونوعه (جائز، لازم، ممنوع...).
علاقة المشروع بالقراءات
أوضح الشيخ أن هذا المشروع سيتضمن أيضا الوقوف المتعلقة باختلاف القراءات وخلاف الأئمة في ذلك بما ييسر على طالب القراءات الرجوع إليها والاستفادة منها.
الوقف والابتداء علم اجتهادي
أكد الشيخ أن الوقف والابتداء من العلوم الاجتهادية التي تعتمد على معرفة التفسير والإعراب، فتختلف الوقوف بناء على ذلك.
ولهذا، فإن اللجنة العلمية التي وضعت علامات الوقف في مصحف المدينة اجتهدت واختارت هذه الوقوف، ولا يمكن الاعتراض على اجتهادها، كما لا يُمنع غيرها من الاجتهاد والإضافة.
والخدمة التي يقدمها المشروع هي إثراء المصحف بوقوف إضافية جائزة وردت في مصادر معتبرة، بحيث يطلع القارئ بوضوح على من أجاز الوقف في كل موضع، فيتعلّم ويستفيد دون إلزام أو تضييق.
وكل هذا من باب التيسير على الأئمة و القراء المبتدئين والمنتهين ومراعاة لمشكلة ضيق النفس عند كثير منهم.
المشروع الثاني: التجويد الملوَّن الصحيح
بعد الانتهاء من عرض مشروع الوقف، تناول الشيخ محمد مشروعه الثاني المتعلق بـالتجويد الملوَّن، موضحًا أن الفكرة ليست جديدة من حيث الشكل، لكنها تحتاج إلى تصحيح وتدقيق علمي وتوحيد منهجي.
فقد لاحظ الشيخ أن كثيرًا من مصاحف التجويد الملوَّن المنتشرة قد وقع بها أخطاء علمية مخالفة لقواعد علم الضبط، كما أنها قد أغفلت الترميز اللوني لأحكام تجويدية مهمة يحتاجها القارئ المبتدئ.
وبعضها يرهق القارئ بتعدد الدرجات اللونية غير المنضبطة، حتى إن القارئ لا يميّز أحيانًا بين الألوان، مما يُفقد الفكرة هدفها الأساسي.
والأماكن المهمة التي تحتاج إلى تلوين هي:
- لام اسم الجلالة المرققة أوالمفخمة.
- التاء والكاف الساكنتان.
- حركة همزة الوصل عند البدء بها.
- حروف المد المتبوعة بهمزة وصل.
- التنوين المتبوع بهمزة وصل.
- وغيرها من الأحكام.
الجانب التقني
ناقش الحاضرون إمكانية بناء قاعدة بيانات إلكترونية لهذا المشروع، على غرار مشروع الوقف. يُسجَّل فيها كل حرف من حروف القرآن مع حكمه التجويدي ولونه، بحيث يمكن لاحقًا توليد المصحف الملوَّن آليًا، أو دمجه في تطبيقات تعليمية تفاعلية.
اقترح المهندسون أن تُبنى القاعدة وفق القواعد العامة، لا بالحالات الفردية، بحيث يُبرمج النظام على قاعدة مثل: "كل ميم ساكنة بعدها باء تُلوّن باللون الفلاني"، أو "كل حرف مد بعد همزة يُلوَّن بلون كذا".
وهذا يجعل النظام أكثر دقة وثباتًا، ويقلل الأخطاء البشرية في التلوين اليدوي.
الهدف التعليمي
يرى الشيخ محمد أن المصحف الملوَّن ليس للزينة، بل هو وسيلة عملية لتعليم التجويد بصريًا بطريقة سهلة وواضحة تعين القراء المبتدئين والأطفال على معرفة أحكام التجويد من خلال الألوان.
بحيث يربط القارئ بين اللون والحكم تلقائيًا دون تعقيد أو شرح مطوّل، ثم ينطلق بعد ذلك في القراءة المجودة من المصاحف غير الملونة بسهولة ويسر، فمرحلة التجويد الملون لابد أن تكون مؤقتة لا دائمة.
المشروع الثالث: تيسير التهجِّي للمبتدئين
اطلع الشيخ محمد على القواعد والطرق النافعة والمفيدة المنتشرة في الساحة لتعليم التهجي للطلاب المبتدئين، وطبقها عمليا مع كثير من الطلاب ولكنه واجه أثناء ذلك بعض المشاكل مع كثير من الطلاب:
- فبعضهم يواجه صعوبة في الانطلاق في القراءة من المصحف بعد دراسة هذه القواعد
- وبعض هذه القواعد ينتهي منها الطالب وقد اعتاد على التهجي باسم الحرف وحركته، ولا يستطيع بعد ذلك أن يقرأ بانطلاق من المصحف
- وبعض القواعد يبالغ في تعليم وتحفيظ التجويد النظري للمبتدئين التهجي مع كون الطالب غير محتاج لها في هذه المرحلة، في حين أن ذلك يخدمه في المرحلة المتقدمة
فالأمر يحتاج لترتيب الأولويات وتنظيمها تيسيرا للطالب وتوفيرا للوقت والمجهود.
وأوضح الشيخ محمد أن مشروعه الثالث ليس بديلاً لهذه القواعد، بل هو داعم ومكمّل لها بما يخدم الطالب وييسر عليه.
منهج التيسير
يعتمد المنهج الجديد أن القرآن الكريم كله عبارة عن متحرك وساكن، فنقف على الساكن ولا نقف على المتحرك، والحركات ثلاثة هي (الفتحة والكسرة والضمة).
فيقف الطالب على الساكن كما يصله بما بعده إلا عند رؤوس الآي وعلامات الوقف فيقف بالوقف المعروف، وكل أحكام التجويد مرتبطة بالساكن لا المتحرك.
يُقسّم الشيخ للطالب الجمل الطويلة إلى مقاطع صوتية قصيرة تُبنى على الوقف على السواكن الأربعة:
- حروف المد.
- السكون (رأس الخاء الصغيرة).
- الشدة.
- التنوين.
ومن خلال تدريب الطالب على الوقوف على هذه المواضع، يتعلّم تدريجيًا نطق الحركات والسواكن بطريقة صحيحة، ويتعلم التقطيع الصحيح بالسواكن، ثم يصل المقاطع ببعضها فيتمكن من الانطلاق في قراءة الجملة القرآنية كاملة بسهولة ويسر.
وضرب مثالًا بقوله تعالى: "الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ"

قال الشيخ: “الطالب المبتدئ لا يستطيع قراءتها دفعة واحدة، لذلك أجزئها له. فأقف معه عند كل ساكن: (الّ)- (لَذيٓ٤) - (أطْ) - (عَمَهُم مّ) (مِن بالإخفاء) وهكذا إلى نهاية الآية أو الوقف الجائز.
فيتعلم تدريجيًا النطق السليم للحركات والسواكن، ثم يربط المقاطع بعضها ببعض في النهاية.
الجانب التعليمي والتطبيقي
يتميّز هذا المنهج بأنه يناسب جميع الفئات، من الأطفال والكبار، لأنه يعتمد على التطبيق العملي المباشر لا التنظير.
ويُراعي أضعف الطلاب، فالضعيف أمير الركب، بحيث يضمن للجميع التقدّم بخطوات ثابتة حتى يصلوا إلى القراءة السليمة الخالية من اللحون الجلية والخفية.
واستنبط الشيخ هذا المنهج من علم العَروض الذي أسّسه الإمام الخليل بن أحمد رحمه الله.
الهدف من المشروع أن يتوافر منهج عملي ميداني مبسط لتعليم القراءة القرآنية في المراكز التعليمية، يركّز على النطق والتطبيق، لا على المصطلحات أو الحفظ النظري.
التكامل بين المشاريع الثلاثة
تتكامل هذه المشاريع الثلاثة لتشكّل منظومة علمية تطبيقية متكاملة تخدم القرآن الكريم من زوايا مختلفة:
- مشروع الوقف والابتداء يضبط مواضع الوقف في التلاوة.
- مشروع التجويد الملوَّن يوضّح أحكام التجويد النظرية.
- مشروع التهجِّي يفتح الطريق للمبتدئ ليقرأ قراءة صحيحة ميسّرة مباشرة.
- ومن الناحية التقنية، يمكن لهذه المشاريع أن تتقاطع في قاعدة بيانات موحدة تضم النص القرآني مرتبطًا بمستوياته المختلفة: الكلمة، الحكم، اللون، الوقف.
منهج العمل والاجتهاد
أجمع الحاضرون على أن الوقف والابتداء، وأحكام التجويد، وقواعد التعليم، كلها علوم اجتهادية مبنية على أصول متفق عليها، ويُسمح فيها بالاختلاف المعتبر.
فمشروع الشيخ محمد لا يبتكر في أصل العلم، بل يُيسّر الموجود ويجمعه ويعرضه بصورة علمية قابلة للتطبيق الحديث بعد حل المشكلات التي تظهر فيه.
وأكد الشيخ أن العمل ليس في جمع المعلومة فحسب، بل في تصميمها وتقديمها، لأن المعلومة موجودة في الكتب، لكن المطلوب هو إخراجها في صورة معيارية دقيقة تُفيد المستخدمين والمبرمجين والدارسين.
ختام اللقاء
اختُتم اللقاء بشكر الشيخ محمد على جهوده، وأشاد الحاضرون بجهوده في الجمع بين الدقة العلمية والرؤية التقنية، واعتبروا مشروعاته الثلاثة نموذجًا لكيفية الجمع بين التراث القرآني والوسائل المعاصرة.
واتُّفق على متابعة التعاون لتحويل هذه المشاريع إلى قواعد بيانات وتطبيقات رقمية تسهّل دراسة الوقف والابتداء، وتجويد التلاوة، وتعليم القراءة للمبتدئين.