السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أشارككم اليوم فكرةً شغلتني في الفترة الماضية، وأحببت أن يكون مجتمع إتقان من أوائل المجتمعات التي أعرضها فيها؛ لما يجتمع فيه من عناية بالقرآن، ووعي بالتقنية، وخبرةٍ أقدّر رأي أصحابها قبل التوسع في نشر المشروع.
أداة السرد القرآني!

حين أعلن الأزهر عن اليوم العالمي للسرد القرآني

بدأت أتساءل:
هل يمكن أن يكون للتقنية دورٌ حقيقي في خدمة السارد والحافظ، لا في أصل ثمرة السرد وثوابه -فذلك أعظم وأجلّ - ولكن فيما يعين على إحسانه، وضبطه، وتحفيز صاحبه، وإبراز أثر ما بذله من جهد؟
فالإنسان مجبول على أن يرى ثمرة سعيه، وأن ينتفع بالتشجيع، وأن يعرف مواضع تقدمه ونقاط حاجته إلى مزيد من العناية.
ومن هنا ظهرت أمامي مشكلة عملية تتكرر في مجالس السرد:
يكون المقرئ أو الشيخ منصتًا إلى السارد، مشغولًا بالتصحيح والمتابعة وحضور المجلس، ثم ينتهي السرد وقد ضاع جانب كبير من أثره التربوي والتعليمي؛ فلا توثيق دقيق لما تم، ولا حصر منظم للأخطاء، ولا صورة واضحة لنقاط القوة والضعف.
وتزداد هذه الإشكالية وضوحًا في مجالس سرد القرآن كاملًا؛ إذ تطول المجالس، وتتشعب الملاحظات، وتصبح المتابعة اليدوية والتوثيق الدقيق عبئًا قد يزاحم المقصود الأصلي من المجلس.
ومن هنا بدأت فكرة «أداة السرد القرآني».
فكرتها في جوهرها بسيطة:
أن تتولى التقنية ما يمكنها أن تتولاه حول مجلس السرد،
من غير أن تزاحم الشيخ أو السارد في اللحظة التي ينبغي أن يبقى فيها القلب والسمع مع القرآن.
يفتح المقرئ المصحف، ويختار الرواية، ويبدأ السرد، ثم تساعده الأداة في المتابعة والتوثيق وبناء سجلّ يمكن الرجوع إليه بعد المجلس.



فلا ينتهي السرد بانتهاء التلاوة فحسب، بل يبقى وراءه أثر يمكن قراءته والبناء عليه.
وقد تزامن إطلاق النسخة الأولى مع اليوم العالمي للسرد القرآني في الأزهر، فرأيت أن تكون هذه المناسبة هي البداية الطبيعية للتعريف بها.
لكن الفكرة -في تصوري- لا ينبغي أن تُحصر في يوم واحد.
أتمنى أن تصبح الأداة بعد ذلك نافعة في مجالس المراجعة، والمقارئ، والحلقات، ومع الطلاب، وفي المسابقات والمبادرات القرآنية، بل وفي كل سياق يحتاج فيه الحافظ أو المقرئ إلى أن يتحول السرد من مجلس عابر إلى رحلة يمكن متابعة أثرها وتراكمها.
النسخة الأولى متاحة حاليًا على الويب:
sard.tajweedoo.com
وأحببت أن أشاركها معكم في هذه المرحلة المبكرة؛ لا لأقول: «هذه أداة اكتملت»، بل لأستفيد من سؤال أهم:
هل تمس فعلًا حاجةً حقيقية في مجال السرد؟
وهل صيغت التجربة بما يخدم المقرئ والحافظ دون أن يثقل عليهما؟
وما الذي ترونه أولى بالإضافة أو الحذف أو التبسيط؟
يسعدني جدًا أن تجربوها، وأعدّ كل ملاحظة من أهل المجال إسهامًا حقيقيًا في نضج الفكرة.
ومن المهم أن أشير هنا إلى أن بناء هذه التجربة لم يبدأ من الصفر؛ فقد استفدت في جانب المصحف والبيانات القرآنية من المصادر المفتوحة التي يتيحها مشروع قرآن بيديا (QuranPedia) @عبيد ، وهي من الجهود التقنية المباركة التي تختصر على المطورين مسافات طويلة، وتفتح بابًا واسعًا لبناء أدوات نافعة لخدمة كتاب الله.
فجزيل الشكر للقائمين على قرآن بيديا على ما أتاحوه من موارد مفتوحة، وأسأل الله أن يكتب لهم أجر كل مشروع ينتفع بهذه البنية، وأن يبارك في جهود كل من يسهم في جعل خدمة القرآن أكثر إتاحةً وتكاملًا بين المشاريع.
ونسأل الله أن يجعلها وسيلةً تعين على خدمة كتابه، وأن يرزقنا جميعًا الإخلاص والقبول، وأن تبقى التقنية في موضعها الصحيح: خادمةً للقرآن، لا مزاحمةً له.
