التفكير الاستراتيجي في بناء المشروعات العلمية القرآنية
من الكتاب الورقي إلى المحتوى الرقمي وقواعد البيانات
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
شهدت الفترة التي أعقبت اختراع الحاسب تطورًا وتسارعًا مذهلين في التقنية، وانعكس هذا التطور على مختلف جوانب الحياة، ومن بينها المشاريع العلمية في مجال القرآن الكريم وعلومه.
فتسابقت دور النشر إلى توظيف التقنية في إنتاج الكتب المطبوعة من التفاسير والعلوم الخادمة للقرآن الكريم، وتفننت في ذلك إلى أبعد حد.
لكن لم يكن يخطر ببال كثير من العاملين في هذه المشاريع آنذاك أن الجهد العلمي الذي يبذلونه مستفيدين من التطور التقني يمكن أن يُستخدم في صورة أخرى غير الكتاب المطبوع.
ثم تطورت التقنيات، وأصبحت القراءة عبر الشاشات ممكنة وميسرة، فكان لزامًا على العاملين في هذه المشاريع أن ينظروا إلى المنتج النهائي نظرة أعمق، وأن يفكروا في نوعين من الجمهور:
- جمهور الكتاب الورقي.
- جمهور الكتب المصورة التي تُقرأ عبر الشاشات.
ومع الأسف، لم يفكر كثير منهم بهذه الطريقة، ولم يقوموا بواجب الوقت.
فإذا طلبت من بعض دور النشر أن تنشئ متجرًا إلكترونيًا لبيع كتبها المصورة، أجابك:
الأصول غير موجودة؛ نحن كنا نفكر في الكتاب المطبوع فقط، وهذا هو المنتج الوحيد الذي كنا نطوف حوله.
ثم فطنت كثير من دور النشر إلى أن هناك من يعمل على تصوير منتجاتها الورقية المطبوعة وإتاحتها للناس عبر الإنترنت، في صورة نصية، كما هو الحال في المكتبة الشاملة وغيرها، أو في صورة كتب بصيغة PDF.
حتى إنك قد تجد الكتاب الذي صدر في العام نفسه مصورًا وموضوعًا على أحد المواقع التي تصدت لتقديم هذه الخدمات، بغض النظر عن مشروعية ذلك.
فكان لسان حال دور النشر:
بيدي لا بيد عمرو.
فجعلوا منتجاتهم تخرج في صورتين:
- كتب ورقية مطبوعة موجهة لمحبي الكتاب الورقي.
- كتب مصورة موجهة لمحبي القراءة عبر الشاشات.
مرحلة جديدة: المحتوى القابل لإعادة الاستخدام
ثم تطورت الحاجات في زماننا الحالي مع التطور الهائل في التقنيات، وأصبحت هناك حاجة ملحة إلى أن تكون هذه الكتب في صورة قواعد بيانات نصية تتيح للتطبيقات والمواقع الاستفادة من هذه النصوص بأشكال وطرق مختلفة.
سواء كان ذلك في:
- محركات البحث.
- المواقع الإلكترونية.
- التطبيقات المستخدمة على الحاسب.
- الهواتف المحمولة.
- الأجهزة اللوحية.
وأصبح من اللازم والمتحتم على هذه الكيانات الخادمة للعلم، بمختلف أشكالها وأوصافها واتجاهاتها، أن تعمل على إنتاج الجهد العلمي بصورة تخدم مختلف الجماهير، وتتيح الاستفادة منه في مختلف المسارات.
فمن كان يفكر مثلًا في إنتاج كتاب في التفسير، فينبغي له أن يفكر منذ البداية في المنتج النهائي الذي يهدف إلى إخراجه، بحيث لا يكون الكتاب الورقي هو الصورة الوحيدة لهذا المنتج.
بل يمكن أن يكون هناك:
- كتاب ورقي مطبوع.
- نسخة نصية متاحة للمكتبات الإلكترونية ومحركات البحث العلمي.
- نسخة في صورة قواعد بيانات، مقسمة وفق تقسيم منطقي من التقسيمات التي بُني عليها القرآن الكريم؛ كعدد الآيات، أو السور، أو الكلمات، أو الصفحات بحسب المصاحف المطبوعة، أو الوحدة الموضوعية، كما هو الحال في كثير من كتب التفسير.
وإن كنت أميل إلى أن يكون تقسيم التفاسير على الآيات هو أفضل هذه الطرق.
لماذا ينبغي للجهة العلمية أن تنتج هذه الأصول بنفسها؟
قد يتساءل البعض:
لماذا يجب على دور النشر وأصحاب المسؤولية العلمية القيام بهذا الدور؟
لقد قاموا بالجهد الأكبر في إنتاج الكتاب الورقي، فلماذا لا يترك الناس للاستفادة منه؟
فهذا يصوره، وذاك يحوله إلى نصوص، وآخر يحوله إلى قواعد بيانات، وهكذا.
والجواب أن هذه الطريقة أثبتت خلال الفترة الماضية أن ترك العمل العلمي لغير المتخصص قد يأتي على المشروع بالكثير من المشكلات التي تنعكس في النهاية على جودة المحتوى.
فقد يقوم مطور محب للخير بتحويل كتاب إلى صيغة نصية، ولا يرى أهمية للهامش، فيقوم بحذفه من قواعد البيانات، أو لا يعمل عليه من الأساس.
وقد يقوم محب للخير بتحويل كتاب ورقي مصور بجهود فردية إلى نصوص، ويرتكب أثناء ذلك أخطاء تقنية تؤدي إلى مشكلات كبيرة في جودة النص الناتج.
وهكذا تتراكم المشكلات، وقد يصبح علاجها لاحقًا أكثر كلفة من إنتاجها بطريقة صحيحة منذ البداية، فضلًا عن تكرار الجهود المبذولة في العمل نفسه.
التفكير في المنتج قبل بدء المشروع
كل هذه المشكلات يمكن علاجها وتفاديها، كما يمكن تقليل التكلفة والجهود المكررة، لو قامت دور النشر والجهات العلمية بالتفكير الاستراتيجي العميق في الأعمال العلمية التي تعمل عليها، والنظر إلى المنتج منذ بدايته باعتباره أصلًا علميًا يمكن الاستفادة منه في صور ومسارات متعددة.
فالمطلوب ليس فقط أن ننتج كتابًا جيدًا، وإنما أن نفكر منذ بداية المشروع في:
كيف يمكن لهذا الجهد العلمي أن يصل إلى مختلف صور الاستفادة الممكنة، وأن يخدم مختلف الجماهير والمنصات والتقنيات؟
وهذا التفكير لا ينبغي أن يأتي بعد اكتمال المشروع، وإنما ينبغي أن يكون حاضرًا منذ مرحلة التخطيط والإنتاج؛ حتى تُبنى الأصول العلمية بطريقة تتيح الاستفادة منها لاحقًا، دون الحاجة إلى إعادة العمل من جديد.
الغاية واحدة
وينبغي للجميع أن يكون قصدهم خدمة كتاب الله وأهل الإسلام، بتقديم المحتوى المتميز الذي بُذل في إخراجه جهد كبير، على الوجه الذي يليق بالقرآن الكريم وبالعلم الشريف المتعلق به.
وليس عليهم جناح أن يبتغوا فضلًا من ربهم، ما دام المقصود هو خدمة هذا العلم، وإيصاله إلى الناس في أفضل صورة ممكنة، والاستفادة من التقنيات المتاحة في حفظ هذا الجهد العلمي وإتاحته والانتفاع به.
إن التفكير في المشروعات العلمية القرآنية لا ينبغي أن يتوقف عند حدود المنتج الذي نراه اليوم، بل ينبغي أن يمتد إلى ما يمكن أن يصبح عليه هذا المنتج غدًا، وإلى الطرق المختلفة التي يمكن أن ينتفع بها الناس من هذا الجهد العلمي المبارك.
هذا المقال كتبته بأفكاره من أوله لآخره وقمت بتنسيقه وضبط صياغته بالذكاء الاصطناعي وراجعته قبل أن أنشره .. تقبل الله منا ومنكم.