فكرة تطوير مشغل صوتيات يعتمد على التلاوات الخام ويسمح للمستخدم بإضافة المؤثرات التي تعجبه
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فبحمد الله تعالى وتوفيقه، كان لي الشرف أن عملت في مشروعات قرآنية قائمة على تسجيل التلاوات باحترافية وإنتاجها بجودة فائقة، وكان من أكبر الأمور التي تواجهني وتزعجني في هذه المشروعات فرض التفضيلات الشخصية في الإنتاج؛ فما يراه القارئ، أو من يتولى الإنتاج، أو من يشرف عليه، مناسبًا وصوابًا، ينبغي أن يُطبَّق على المصحف المنتج.
وقد تكون العناية والحفظ للنسخة المنتجة هي محل الاهتمام، بينما لا تلقى النسخة الأصلية العناية نفسها من حيث الحفظ أو التداول.
وأتحدث هنا تحديدًا عن إضافة المؤثرات الصوتية إلى التسجيلات، مثل الصدى أو التردد.
فهذه المؤثرات تعطي المستمع إحساسًا بأن الشيخ يقرأ في المسجد، أو في محفل قرآني، أو كأنه يقرأ في الحرم المكي أو الحرم المدني.
المشكلة تبدأ من مرحلة التسجيل
تتركز المشكلة هنا في عدة اتجاهات، أولها: مرحلة التسجيل.
فمن أصول هذه الصنعة أن يكون التسجيل الأصلي صوتًا خاليًا من أي مؤثرات طبيعية أو مضافة، حتى يتمكن مهندسو الصوتيات من تحرير الصوت المسجل وتجهيزه للمراجعة، مع الاحتفاظ بالنسخة الأصلية المسجلة، غير المحررة أو المعدلة، كما هي.
وبذلك سيكون لدينا تسجيل أصلي للمصحف، ثم نسخة محررة، وهي النسخة التي قام مهندس الصوت فيها بحذف الزيادات والتكرارات، وإجراء التعديلات اللازمة.
وقد فصلت في هذه الأمور في موضوعي الذي كتبته قبل فترة تحت عنوان:
الدليل الإجرائي لتسجيل مصحف بجودة عالية
وبعد الانتهاء من النسخة المحررة، تُسلَّم للشيخ القارئ ليراجعها، ثم تُطبَّق على نموذج منها المؤثرات المطلوبة، وتُنتج نسخة أخرى بهذه المؤثرات بجودة WAV، ثم تُنتج بعد ذلك النسخة القابلة للنشر.
أين ذهبت النسخة الأصلية؟
العجيب أنك لو سألت أي شيخ قام بتسجيل مصحف احترافي، فبنسبة لا تقل عن 90%، حسب ما واجهت شخصيًا، ستجده يقول لك:
لا يوجد عندي إلا النسخة المتداولة، ولا أعرف شيئًا عن النسخة الأصلية.
وبطبيعة الحال، وكما يقول المثل: «ما يحكّ رأسك إلا ظفرك»؛ فإذا لم يُبدِ الشيخ اهتمامًا بالنسخ كلها، ابتداءً من النسخة الأصلية، ووصولًا إلى النسخة المنتجة والمعدة للنشر، فلن يهتم غيره؛ لا مهندس صوت، ولا مدير جمعية، ولا غيرهما.
وهنا، إذا طلبت من الشيخ نشر نسخة من مصحفه بلا تردد ولا صدى، فقد لا تتمكن من الوصول إلى هذه الأمنية، التي لم تتحقق في حياتي ولا مرة.
والسبب هو فرض التفضيلات الشخصية؛ سواء من المنتج الذي كُلِّف بالإنتاج، أو من الشيخ، أو حتى من مهندس الصوت، إذا تُرك له الحبل على الغارب وأضاف من البهارات الصوتية ما يريد.
المشكلة لا تتوقف هنا
وهنا ستواجهنا مشكلة أخرى تكررت عشرات المرات في منتديات مزامير داوود، مثلًا لا حصرًا؛ وهي أن هذه التفضيلات الشخصية قد لا تعجب الكثير من «السميعة»، فيقوم أحد المتطوعين بارتكاب جريمة فنية، وهي أن يضيف المزيد من البهارات على النسخة المبهرة أصلًا!
وقد يصاحب إنتاج هذه النسخة أخطاء فنية لا تُغتفر؛ مثل أن يحوّل الملفات بصيغة MP3 وبجودة 128 إلى صيغة WAV، ثم يضيف إليها البهارات الجديدة، وبعد ذلك ينتج نسخة أخرى بجودة 320، على أساس أن العمل الذي قام به قد رفع جودة المصحف!
ولا يدري المسكين حجم المصيبة التي ارتكبها؛ إذ لا يمكنك، مع كثرة النسخ والادعاءات التي تُقال عنها، أن تصل يومًا إلى النسخة الأصلية لأي منتج، إلا بالوصول إلى الشيخ نفسه أو إلى المنتج.
وأرجو ساعتها أن تجد عنده الأصول!
وإذا وجدتها، أرجو مرة أخرى أن يسمح لك باستخدامها!
ما الذي نحتاج إليه؟
بعد هذه القصة المأساوية، أرجو في يوم من الأيام أن أرى المشاريع التي تسجل التلاوات تعتمد نشر النسخ الأصلية من التسجيلات بلا مؤثرات، كما فعلت الإذاعة المصرية مع تراثها، وكما تفعل الإذاعات الرسمية في الغالب؛ لأن هذه المؤسسات تعمل باحترافية عالية في حفظ تراثها.
أرجو ذلك.
وهذا ما قام به مجتمع إتقان، بحمد الله تعالى، في مشروع خدمة تلاوات المركز السعودي للتلاوات التابع للإذاعة السعودية الرسمية؛ حيث تتوفر نسخة بدون مؤثرات، وأخرى بالمؤثرات، من كل مصحف وكل شيخ، فيستطيع المستمع تشغيل التلاوة بحسب تفضيلاته.
وستتوفر الخاصية نفسها في مصاحف مشروع تحبير القراءات العشر للشيخ صابر عبد الحكم، حفظه الله.
الفكرة الجديدة: المؤثرات داخل المشغل
وهذا الأمر نوّر لي فكرة أراها خطيرة وسهلة التنفيذ، فيما أظن، من الناحية البرمجية.
أرجو في يوم من الأيام أن أراها واقعًا، لتكون عوضًا عن تعدد نسخ كل مصحف.
والفكرة ببساطة هي أن يكون هناك مشغل صوتيات يحتوي على إعدادات يمكن للمستمع من خلالها اختيار الطريقة التي يريد أن يستمع بها إلى التلاوة.
فبدلًا من أن نرفع عدة نسخ من المصحف، كل نسخة منها تحمل مؤثرات صوتية مختلفة، نرفع نسخة واحدة فقط: النسخة الأصلية الخالية من أي مؤثرات.
ثم تصل التلاوة إلى المشغل كما هي، ويقوم المشغل بإضافة المؤثرات التي يفضلها المستمع أثناء التشغيل.
فمن أراد التلاوة بلا أي «بهارات» صوتية، استمع إليها كما هي.
ومن أحب الصدى، اختاره.
ومن أحب نوعًا معينًا من المؤثرات، اختاره.
وبذلك ننتقل من فكرة إنتاج نسخ متعددة من التلاوة بحسب تفضيلات المنتج أو الشيخ أو المستمع، إلى فكرة أكثر مرونة: نسخة أصلية واحدة، ومشغل يتيح لكل مستمع أن يختار تفضيلاته بنفسه.
ما فائدة انتشار هذه الثقافة؟
ما فائدة انتشار هذه الثقافة في مشروعات التسجيلات، والاعتماد على المشغلات في إضافة المؤثرات التي يفضلها المستخدم، إن أراد؟
فوائد هذا الأمر كثيرة جدًا، ومن أبرزها:
1. سهولة الوصول إلى المصاحف الأصلية وإعادة استخدامها
سهولة الوصول إلى المصاحف الأصلية، بحيث يمكن إعادة استخدامها في مشروعات الإنتاج الصوتي والمرئي، وهذا لا شك أنه يعظم الانتفاع بهذه التلاوات، ويزيد أثرها وانتشارها.
2. تسهيل عمل المطورين في التعرف الصوتي
تسهيل عمل المطورين في التعرف الصوتي على التلاوات، من أجل تزمينها على شكل كلمات وجمل وآيات.
ومن المتفق عليه في هذا المجال أن التلاوات التي لا يوجد فيها صدى أو مؤثرات تكون دقة التعرف عليها مرتفعة جدًا.
3. تسهيل الانتفاع بالصوت الأصلي للقراء
تسهيل الانتفاع بالصوت الأصلي للقراء، من خلال الاستماع الصحيح للحروف والمخارج التي قد تخفيها تلك المؤثرات.
والفوائد كثيرة جدًا، ولا أحب أن أطيل عليكم.
وأخيرًا، الحد من اجتهادات أصحاب البهارات الصوتية التي أتت على المصاحف بالويلات، والوقت لا يتسع لذكر هذه الأشياء.
ولعلنا نصل يومًا إلى مرحلة يصبح فيها الأصل محفوظًا، والتفضيلات متاحة، والنسخ المتعددة غير ضرورية؛ فينتفع الجميع بالتلاوة الأصلية، ويختار كل مستمع الطريقة التي يحب أن يسمعها بها.