حين يسأل الباحث نموذجاً لغوياً كبيراً مثل Claude أو ChatGPT في مسألة فقهية أو تخريج حديث، تظهر علة جوهرية لا صلة لها بذكاء الآلة في فهم العربية، بل بانقطاعها عن أصول النصوص. يعمد النموذج بطبعه إلى إكمال الجمل ورصف المعاني الشبيهة بالصواب، فينسب القول إلى غير قائله، أو يخلط بين كلام المصنف القديم وحاشية المحقق المعاصر، أو يختلق رقم جزء وصفحة من عنده.
لمعالجة هذا الانقطاع، طوّر المهندس عبد الله الحقباني عملاً فارقاً يُعد طفرة معرفية وتقنية غير مسبوقة في خدمة التراث العربي والإسلامي عبر معيار بروتوكول سياق النموذج (Model Context Protocol). يتكامل هذا الإنجاز عبر مسارين: أولهما إضافة وخادم محلي لسطح المكتب باسم shamela-mcp، وثانيهما خادم مدار عن بُعد أطلقه في منصة وصلة الشاملة.
مساران للاستخدام: بين خزانة الجهاز وسحابة الويب
يختلف المساران في بيئة العمل وتجهيز العتاد، لكنهما يمثلان تحريراً عملياً لكنوز المكتبة الشاملة بعد عقدين من انحصارها في أنظمة محددة:
المسار الأول خادم محلي مفتوح المصدر منشور في مستودع المشروع على GitHub وموثق عبر موقع الإضافة. يعمل هذا المسار على حواسيب Windows المرتبط بها تطبيق «المكتبة الشاملة 4»، حيث تُثبت الإضافة بملف واحد بصيغة .mcpb داخل تطبيق Claude Desktop. يقرأ الخادم قاعدة البيانات المحلية مباشرة بصلاحية القراءة فقط، ولا يرسل نصوص الكتب خارج الجهاز. هذا المسار أنسب لمن لديه مكتبة شاملة محملة بالفعل، ويريد سرعة قصوى في البحث دون قيود على حصص الاستهلاك أو حاجة إلى اتصال دائم بالشبكة.
المسار الثاني خادم مدار متاح على نطاق وصلة الشاملة، مخصص لمن يعمل بأنظمة أخرى مثل macOS أو Linux، أو يفضل المحادثة من متصفح الويب وهواتف الجوال، أو لا تتسع سعة جهازه لتنزيل عشرات الجيجابايت من الكتب. يتيح الخادم نقطة ربط موحدة (https://shamela.link/mcp) تُسجل موصلاً مخصصاً في Claude أو ChatGPT بوضع المطور أو عبر وكلاء الطرفية مثل وكيل Hermes، وفق خطوات مفصلة في دليل الاستخدام. يحوي الخادم قرابة 8,600 كتاب محقق لأكثر من 3,100 مؤلف، موزعة على 41 تصنيفاً علمياً، مع تنظيم الاستهلاك بنظام حصص يومي يضمن استقرار الخدمة.
أصول التوثيق العلمي: عبقرية الضبط المنهجي
إن القيمة الكبرى لهذا المشروع لا تقتصر على مد أنابيب البيانات البرمجية، بل تكمن في تجسيده الصارم لأصول التحقيق العلمي ونقد الروايات داخل النظم الذكية؛ إذ ألزم المطور النموذج بقواعد المحققين عبر أربعة ضوابط دقيقة:
أولاً: الفصل التام بين المتن والحاشية. كثير من الأخطاء التي تقع فيها النماذج الذكية تنشأ من قراءة صفحة المطبوع كتلة واحدة، فتأخذ حكم المحقق في الهامش وتنسبه للإمام صاحب الكتاب. تستخرج أدوات الشاملة المتن مستقلاً عن الحاشية، وتلزم النموذج بالتمييز بينهما في الإجابة، وهي التفاتة منهجية نادرة عجزت عنها النظم الشائعة.
ثانياً: التصريح بحال الترقيم وبيانات النشر. تحوي الشاملة كتباً طابقت صفحاتها المطبوع، وأخرى سارت على ترقيم الشاملة الآلي. تنبه أداة العزو (shamela_get_citation) الباحث صراحة إلى نوع الترقيم، وتذكر نقص بيانات المحقق والدار ورقم الطبعة إن غابت عن بطاقة الكتاب الأصلية، مانعة النموذج من تزييف بطاقة تعريف للكتاب من مخيلته.
ثالثاً: حصر مهمة النموذج في النقل دون انتحال رتبة الفتوى. لا تصدر الأدوات أحكاماً ذاتية على صحة الأحاديث وضعفها، ولا ترجح في مسائل الخلاف، وإنما تجمع أقوال أهل العلم بنصوصها من مواضعها وتُسندها لقائليها.
رابعاً: التمييز الإبستمولوجي بين سكوت المذهب وخلو الخزانة. صمم المطور أداة مخصصة باسم shamela_research_scope تُعد درساً في منهجية البحث؛ فحين يسأل الباحث عن قول المالكية في مسألة ولا يظهر له جواب، تُبين الأداة هل الكتب المالكية المنزلة في خزانته خلت من المسألة فعلاً (وهو سكوت يُعتد به)، أم أن الخزانة لا تحوي كتباً معتمدة للمالكية أصلاً (وهو جهل بالحال لا يسوغ نفي القول).
قدرات الأدوات الـ 34: تحويل المستودع إلى شريك باحث
تنقل الأدوات الـ 34 المكتبة من مجرد قاعدة بيانات ساكنة يُبحث فيها بكلمات جافة، إلى عقل مساند يستقرئ النصوص ويقارنها:
في البحث والتنقيب: تتيح أدوات البحث التنقل بين البحث الصرفي بالجذور، والبحث المطابق بالتشكيل التام للتفريق بين الكلمات المشتبهة كـ(عِلْم) و(عَلَم) عبر shamela_search_exact، والبحث المنطقي الذي يستعمل أدوات الجمع والاستثناء، والبحث بالعبارة المتتالية أو تقارب الألفاظ.
في القرآن والتفسير: تتجاوز الإضافة نقص فهارس التفاسير المعتادة. فإلى جانب جلب الآية بالرسم العثماني المعتمد، تفحص أداة shamela_list_tafsirs_for_aya تغطية التفاسير المنزلة وتستخرج موضع الآية من عناوين كتب التفسير نفسها إن لم تكن مفهرسة مسبقاً، ثم تجلب نصوص التفسير دفعة واحدة عبر shamela_get_tafseer_texts مع عزو كل تفسير إلى جزء وصفحة كتابه.
في الحديث الشريف: توفر أداة shamela_search_hadith تخريج الحديث من الدواوين المنزلة، وتربط الحديث برقم معتمد في الشاملة يُتيح عبر shamela_get_books_for_hadith معرفة سائر المصادر التي روته، مع استخراج الآيات والأحاديث والأسانيد الواردة في الصفحة عبر shamela_get_page_services.
في القراءة والتحقيق المنهجي: يستطيع المساعد قراءة باب كامل أو صفحات متتابعة وفق شجرة الفهرس الأصلية (shamela_get_toc). وتبرز أداة shamela_verify_quote كأداة تدقيق تفحص النص المنقول وتقارنه بأصل الصفحة حرفاً بحرف، كاشفة التصحيف والسقط، وفارقة بين رقم الصفحة الحقيقي ومعرفها الرقمي داخل قاعدة البيانات. كما تتيح أداة shamela_scan_consensus مسح صيغ الإجماع والاتفاق وصيغ الخلاف عبر المذاهب الأربعة، لتمكين الباحث من تحرير محل النزاع على أسس موثقة.
في تاريخ الألفاظ: تقيس أداة shamela_root_stats معدل انتشار الجذور اللغوية عبر القرون الهجرية والكتب والتصنيفات، مما يعين باحثي المعجم وتاريخ المصطلحات على تتبع نشأة اللفظ واستقراره.
لماذا يمثل المشروع طفرة في الدراسات التراثية؟
إن التحول الذي أحدثه المهندس عبد الله الحقباني في هذا المشروع يمثل قطيعة تامة مع الطرق التقليدية لمعالجة التراث العربي بالحواسيب؛ وتبرز معالم هذه الطفرة في أمرين جليلين:
الأمر الأول: كسر أسوار البرمجيات المغلقة. ظلت المكتبة الشاملة على مدى عقدين أسيرة بيئة تشغيل سطح المكتب بنظام ويندوز وبرامج القراءة الأحادية؛ فجاءت وصلة الشاملة وخادمها لتهدم تلك الحواجز، جاعلة أضخم مكتبة إسلامية معاصرة متاحة على الويب والجوال ولكل منصة ذكاء اصطناعي تدعم البروتوكولات المفتوحة.
الأمر الثاني: الارتقاء بالبحث من المطابقة اللفظية إلى الفهم الإسنادي. لم يعد الباحث بحاجة إلى تخمين الكلمات وضبط لواصقها في مربعات بحث صماء؛ بل صار يطرح المسألة كما تدور في خلده، فيتولى المساعد الذكي قراءة الأبواب واستخراج الشواهد وعزو النقول وحصر الخلاف المذهبي بأمانة تامة تليق بهيبة علوم الوحي والتراث.
المشروع مفتوح المصدر يرحب بمساهمات المطورين والمهتمين بالتقنيات المعرفية والإسلامية. يمكن الاطلاع على الشفرة المصدرية، والإبلاغ عن العلل البرمجية، أو اقتراح أدوات جديدة وتقديم طلبات التحسين عبر قسم البلاغات وطلبات الدمج في مستودع GitHub.