ضمن اللقاءات الدورية لمجتمع إتقان، عُقد هذا الشهر ملتقى إتقان في الرياض (حضوريًا وعن بُعد) وناقش توظيف الصور والرسومات البصرية في خدمة القرآن الكريم، منتقلًا بالحوار من التركيز التقليدي على البرمجيات والنصوص إلى دور الصورة والوسائط الحديثة في تقريب المعاني القرآنية وتعزيز فهمها، بما يواكب تطور مشاريع التقنية القرآنية مع الحفاظ على قدسية النص ومعناه.
دراسة حول تفسير القرآن الكريم بالصور
استهل الملتقى بمداخلة من عبد الله بن عمر ناقش فيها موضوع تفسير القرآن الكريم بالصور والرسوم في العصر الرقمي، منطلقًا من بحثه في رسالة الدكتوراه في هذا المجال.
أبرز في بداية حديثه أن الصورة أصبحت أداة تأثير كبرى في العصر الحديث بفعل الانتشار الهائل للمنصات الرقمية وتضخم المحتوى المرئي، ما يجعلها وسيلة مهمة في التعليم والتفسير، لكنها في الوقت نفسه حساسة عند ربطها بالقرآن الكريم.
وانتقل للتأكيد على أن توظيف الصورة في خدمة القرآن يجب أن يتم مع حفظ القدسية والالتزام بالضوابط الشرعية، محذرًا من أي تمثيل قد يسيء للمعاني أو يبتذلها.
وأوضح أن لفكرة التفسير البصري جذورًا شرعية وتربوية من خلال أساليب التمثيل والتقريب في القرآن والسنة، وأن الصورة يمكن أن تساعد في توضيح المعنى وتقريبه إذا استخدمت بشكل صحيح.
ثم ركز على أنواع المعاني المفسرة بالصور موضحًا أن المعاني القرآنية ليست على درجة واحدة؛ فهناك معاني مرئية يسهل تصويرها، ومعاني عقلية تحتاج تقريبًا، ومعاني غيبية يجب التعامل معها بحذر شديد حتى لا تختزل أو تشوه.

كما عرض أهم طرق عرض الصور في توضيح المعاني والتي تشمل:
التقابل: تقابل الصورة المعنى بشكل مباشر.
التكوين: تكوين معنى من أكثر من صورة.
التضمين: تضمين معنى تفسيري في ضمن عمل متكامل

واستعرض بعدها عدة مقاطع فيديو متنوعة كأمثلة عملية لكل طريقة من الطرق:

كما أشار إلى أبرز التحديات في تفسير القرآن الكريم بالصور مثل اختلاف الفهم بين الثقافات، وخطر اختزال المعنى في صورة واحدة، وإشكالية تمثيل الغيبيات.
واختتم بتأكيد مجموعة من الضوابط والأدبيات الأساسية للتفسير المصور، أهمها: ألا يقترن بالصور والرسوم التفسيرية أمر محرم، وأن تخلو مما لا يُسمَح بتصويره كالمعاني الغيبية ونصوص الوعيد وصور الأنبياء والصحابة وصحة المعنى وصحة أداء الصور للمعنى.

وفي سياق حديثه عن واقع تفسير القرآن بالصور والرسوم، عرض عبد الله نتائج دراسة إحصائية كشفت عن أبرز مواطن الخلل في الالتزام بالضوابط، حيث بلغت المخالفات الشرعية 4%، وأخطاء تمثيل الغيبيات 36%، وعدم دقة المعنى 24%، بينما تصدر ضعف إيصال المعنى عبر الصورة بنسبة 47%، رغم صحة الفكرة في كثير من الحالات.

وخلص في ختام مداخلته لأن الصورة أداة قوية في خدمة القرآن الكريم، لكنها تحتاج إلى علم وضبط وتخصص حتى تحقق مقصودها دون إخلال بالمعنى أو القدسية.
تجربة تطبيق سورة في التفسير البصري لمعاني القرآن الكريم
استعرض أحمد شمس خلاصة تجربة استخدام الصور في تطبيق سورة من مركز تفسير بإشراف د. عبد الرحمن الشهري، موضحًا أن التطبيق يوظف التفاعل عبر اللمس لإظهار معاني مفردات القرآن الكريم، مما دفع الفريق إلى التفكير في دعم بعض المعاني بصور توضيحية تساعد على تقريب الفهم خصوصًا للأطفال وغير الناطقين بالعربية دون الإخلال بالدلالة التفسيرية للنص.
وأشار إلى أن هذا التوجه استدعى منهم دراسة شرعية دقيقة، مع تشكيل لجنة علمية متخصصة لمراجعة المفردات وتحديد ما يمكن تمثيله بصريًا وما يمنع، مع وضع ضوابط تحكم استخدام الصورة، أبرزها أن تكون للتوضيح لا للتفسير، وأن ترتبط بالمفردة لا بالتركيب، مع تجنب تمثيل الغيبيات والمعجزات والأنبياء والصحابة، والابتعاد عن أي صورة قد توهم بمعنى غير دقيق أو تنتقص من جلال المعنى.
نقاشات ومداخلات من الحضور
تناولت نقاشات حضور الملتقى عدة محاور ومقترحات إضافية أبرزها:
- تحديات توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى البصري المرتبط بتفسير القرآن، خاصة ما يتعلق بدقة الصورة وخطر تحولها إلى تمثيل غير منضبط للمعنى أو توجيه فهم غير صحيح لدى المتلقي.
- إشكالية تمثيل الغيبيات والقصص القرآني بصريًا، وإضافة تفاصيل غير منصوص عليها، مع التأكيد على ضرورة الفصل بين توضيح المعنى وتفسيره وتجنب أي إسقاطات قد تخل بجلال النص.
- فكرة إنشاء مكتبة موحدة للوسائط البصرية القرآنية والتحديات المرتبة بذلك بسبب اختلاف الثقافات وتباين الإدراك البصري للرموز والمعاني بين المجتمعات والبلدان المختلفة مما يجعل التعميم غير عملي.
- أهمية اعتماد الضوابط المنهجية والعلمية كحل لأي مشروع بصري، بدل الاعتماد على مكتبات جاهزة، بما يضمن الالتزام الشرعي والدقة التفسيرية.
- كما تطرقت المداخلات إلى بعض الجوانب الأخرى، كأهمية توحيد قواعد البيانات وربط الروايات القرآنية المختلفة على مستوى الكلمة والآية.
اختتمت النقاشات بالتأكيد على أن الأنسب هو تبني مشاريع جزئية منضبطة وقابلة للتطوير، مع تعزيز التعاون المجتمعي في تطوير المعايير والأدوات الداعمة لهذا المجال.