أحد التحديات التي واجهتها عند تصميم قواعد البيانات للتطبيقات القرآنية هو كيفية فهم وتمثيل اختلاف الروايات القرآنية المتواترة، ومذاهب فواصل السور ورؤوس الآيات (علم عدّ الآي)، وعلاقة ذلك بالطبعات التاريخية والحديثة للمصحف الشريف في قواعد البيانات هذه، وأيّها يجب أخذه بعين الاعتبار عند استهداف أيّ قاعدة من المستخدمين.
قد يكون رد الفعل الأوّلي عند الإطلاع على هذا الاختلاف في طريقة تنسيق المصحف الشريف بين الأقطار والدول هو محاولة إنشاء إطار عملٍ شامل - وربما هذا ممكن، هناك جهود طيبة جداً في هذا المجال من مكتبات مثل quran-meta التي نشر عنها الأخ عبدالله مصيباح في موضوع سابق، لكن لا يكفي الموجود في المكتبة لفهم هذه الاختلافات والفروقات.
حاولت البحث في المصادر المتوافرة حول هذه المواضيع لتلخيص النقاط التي تفيد المطوّر في هذا السياق، لكن أنصح كلّ مهتمّ بالعمل على تطبيق قرآنيّ أن يقرأ ويبحث في الموضوع بنفسه، ففيه الكثير من الخير الذي لا يسع هذا الموضوع الحديث عنه (ولا خبرتي المتواضعة)
أولاً: الروايات القرآنية وتوزيعها الجغرافي
ترتبط هذه الروايات عادةً أيضاً بطبعات مصحف محددة منتشرة في دول وبلدان محددة، لذا من المهم أيضاً فهم الارتباط بينها بهذا الشكل:
1. رواية حفص عن عاصم (عن عاصم الكوفي)
- نطاق الانتشار: المشرق العربي، مصر، دول الخليج، تركيا، شبه القارة الهندية، وجنوب شرق آسيا.
- تمثل الرواية الأكثر شيوعاً في العالم الإسلامي نتيجة لتبنيها في طباعة الطبعات الرسمية الكبرى (مثل مصحف المدينة ومصحف القاهرة).
2. رواية ورش عن نافع (عن نافع المدني)
- نطاق الانتشار: بلاد المغرب الكبير (المغرب، الجزائر، موريتانيا)، غرب إفريقيا (السنغال، تشاد، نيجيريا)، وإقليم دارفور في السودان.
- تتميز بطريقة ضبط ورسم مغربية متميزة في المصاحف المطبوعة في تلك البلاد.
3. رواية قالون عن نافع (عن نافع المدني)
- نطاق الانتشار: دولة ليبيا (وهي الرواية الرسمية المعتمدة في المصاحف والمساجد هناك)، والجمهورية التونسية، وأجزاء من الجزائر وموريتانيا.
4. رواية الدوري عن أبي عمرو (عن أبي عمرو البصري)
- نطاق الانتشار: جمهورية الصومال، وأواسط السودان، ومنطقة حضرموت في اليمن، بالإضافة إلى جيبوتي وإريتريا.
من الأخطاء الشائعة عند نمذجة هذه البيانات واستخدامها افتراض أن كل دولة تستخدم رواية واحدة بنسبة 100%. في الواقع، هناك مناطق تداخل هامة يجب النظر إليها كنسب توزيع؛ فالسودان مثلاً يجمع بين الدوري وورش بنسب معتبرة لكلّ من الروايتين، وتونس تجمع بين قالون وورش بنسب معتبرة.
ثانياً: مذاهب عدّ آيات القرآن الكريم (علم الفواصل)
ينقسم علماء الأمة في تقسيم فواصل السور ورؤوس الآيات إلى مدارس كبرى تتبع النقل الأثري المسند عن الصحابة والتابعين. فهم هذا ضروري لمن يعمل على قواعد بيانات مستخدمة في البحث أو يحتاج لربط النصّ القرآني بالتفاسير والترجمات:
- العدد الكوفي (6236 آية):
- طريق النقل: يرويه حمزة وسفيان الثوري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
- هو المذهب الأكثر شهرة في المصاحف المعاصرة المرتبطة برواية حفص عن عاصم.
- العدد المدني (الأول والأخير - 6214 آية):
- طريق النقل: يرويه نافع المدني عن شيوخه (المدني الأول)، وإسماعيل بن جعفر عن سليمان بن جماز عن شيبة ويزيد (المدني الأخير).
- يُعتمد بشكل أساسي في أقطار المغرب العربي وغرب إفريقيا بالترافق مع روايتي ورش وقالون.
- العدد البصري (6204 آية):
- طريق النقل: يرويه عطاء بن يسار وعاصم الجحدري، ويُنسب أيضاً لأيوب بن المتوكل البصري.
- يرتبط برواية الدوري عن أبي عمرو في السودان والصومال.
- العدد المكي (6210 آية):
- طريق النقل: يرويه الإمام أبو عمرو الداني بسنده إلى عبد الله بن كثير المكي عن مجاهد عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه.
- العدد الشامي (الدمشقي والحمصي):
- طريق النقل: ينقسم إلى مذهب دمشقي ومذهب حمصي (يختلفان في مواضع مثل عد البسملة وفواصل سورة الشورى). وهو المذهب التاريخي المتبع في بلاد الشام.
ثالثاً: أشهر طبعات المصحف الشريف
تتمايز طبعات المصحف الشريف التاريخية والحديثة في تقسيم الأسطر والتوجيه البصري. هذه التفاصيل حيوية جداً لمصممي تجربة المستخدم ومطوري التطبيقات الذين يعملون على رقمنة صفحات المصحف أو يحاولون تقديم تجربة مشابهة للمصحف الورقي:
- مصحف المدينة النبوية (الخطاط: عثمان عبده طه):
- عدد الأسطر: 15 سطراً في الصفحة.
- تبدأ كل صفحة برأس آية وتنتهي بنهاية آية كاملة، وهو ما اصطُلح عليه بنظام "آية بركن"، مما ييسر الحفظ والمراجعة البصرية.
- المصحف الأميري - طبعة القاهرة 1924م (الخطاط: محمد جعفر بك):
- عدد الأسطر: 15 سطراً.
- يلتزم بنظام تناسق بدايات ونهايات الآيات.
- مصحف الشمرلي - طبعة مصر (الخطاط: سيد عبد القادر - زايد):
- عدد الأسطر: 14 سطراً.
- لا يلتزم ببدء الصفحة أو انتهائها برأس آية، ويتميز ببروز الخط وسماكة الحروف، مما يجعله مفضلاً لكبار السن وللقراءة السريعة.
- طبعة إسطنبول 1877م (الخطاط: الحافظ عثمان):
- عدد الأسطر: 15 سطراً.
- وهو المصحف التاريخي الذي ابتكر نظام توجيه السطور (آية بركن) واعتمدته المطابع العثمانية لاحقاً.
رابعاً: أقاليم انتشار الطبعات الشهيرة بحسب الروايات والمصاحف
- طبعات رواية حفص عن عاصم:
- مصحف المدينة النبوية: ينتشر في المملكة العربية السعودية، الخليج العربي، الشام، مصر، العراق، تركيا، إيران، وجنوب شرق آسيا.
- مصحف الشمرلي وطبعة القاهرة: حضور هائل في مصر، والسودان، ومساجد العراق والبيوت المشرقية قبل انتشار طباعة مجمع الملك فهد.
- طبعة إسطنبول: تركيا، أقاليم البلقان، ومناطق واسعة في أرجاء الدولة العثمانية السابقة.
- طبعات روايتي ورش وقالون عن نافع:
- طبعات المدينة والجزائر وتونس والمغرب: تتوزع في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا (ورش)، وليبيا (قالون).
أرجو أن تكون هذه المادة مفيدة لكم في فهم أبعاد هذه البيانات وتوظيفها في مشاريعكم القادمة.
وأرجو ممن لديه معلومات إضافية حول البلد التي يعيش فيها أو حول الرواية الشائعة في منطقته أن يشاركنا عسى أن ينفع من سيقرأ هذا الموضوع لاحقاً في فهم الصورة كاملةً