
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
تغريدةٌ أيقظت سؤالًا قديمًا
بالأمس، وأنا أتصفّح، استوقفتني هذه التغريدة:

صورةٌ بسيطة في ظاهرها، عميقةٌ في دلالتها، أثارت في ذهني الكثير ودفعتني لأكتب هذه الخاطرة.
اعترافٌ صغير: عادة "استراق النظر"
أعترف أن لديّ عادةً قد يراها البعض غريبة: استراق النظر في المساجد.
في كل مسجدٍ أدخله، وفي كل دولةٍ أزورها، بل وحتى في رحاب المسجد الحرام، أجدُ نفسي أتطفل على جوالات من حولي بفضولٍ:
- ما تطبيق المصحف الذي يفتحه هذا المُصلّي؟
- كيف يتعامل معه؟ هل يقرأ، أم يستمع، أم يكتب ملاحظات؟
- لماذا اختار هذا التطبيق دون غيره؟ ما الذي يربطه به؟
- هل يستخدم الوضع الليلي أم النهاري؟ خطًا كبيرًا أم صغيرًا؟ روايةً معيّنة؟
هذه العادة علّمتني أكثر من أي دراسة.. المستخدم الحقيقي للقرآن اليوم لم يعد كما كان. وجدت من يستخدم NotebookLM في تدبّره، ومن استبدل المصحف الورقي بشاشة لا تفارق يده، ومن يستمع أكثر مما يقرأ، ومن يعتمد على تطبيق تراه بدائيًا قبيحًا لاحتوائه على خاصيّة قد أظنها بلا فائدة، يفتقر لها أي تطبيق آخر.
قد تكون: طريقة عرض معيّنة للتفسير، أو خاصيّة تكرار آيةٍ بعدد محدد، أو دعمٌ لرواية نادرة، أو حتى صوت قارئٍ بعينه.
ليس التطبيق الأجمل هو الأنجح، بل الأقرب لاحتياجٍ حقيقيٍّ هو الأنجح.
السؤال الذي يجب أن يؤرّقنا
بعد كل هذه الملاحظات، يفرض السؤالُ نفسَه على كل مَن يعمل في هذا المجال:
هل المشاريع التقنية القرآنية اليوم تخدم هذا المستخدم فعلًا؟
أم أنها تخدم تصوّرنا نحن عمّا يجب أن يكون عليه المستخدم؟
كثيرٌ من المشاريع، بنيّةٍ صادقة، تُبنى على افتراضاتنا نحن، لا على واقعه هو. نُصمّم ما نظنّ أنه يحتاجه، لا ما يحتاجه فعلًا.
والفرق بين المشروع الذي يُبارَك فيه وينتشر، والمشروع الذي يبقى حبيس متجر التطبيقات، غالبًا ما يكون في هذه المسافة: المسافة بين تصوّرنا والواقع.
شرفٌ لم يكن متاحًا للأجيال السابقة
ولأختم بما بدأتُ به: مثل هذه المشاهدات ليست للتأمّل فحسب، بل حافزٌ للعمل.
تأمّلوا معي هذه المقارنة:
بالأمس، كان مَن يريد أن يخدم كتاب الله بنشره، يحتاج إلى:
- مئات الملايين لإنشاء مطبعة.
- شبكة توزيع عالمية.
- تصاريح وأذونات.
- عقودًا من العمل المؤسسي.
اليوم، يكفيك:
- جهازُ حاسوبٍ متواضع.
- اتصالٌ بالإنترنت.
- فهمٌ صادقٌ لمن تخدم.
- وفكرةٌ تحلّ مشكلةً حقيقية.
- وقبل ذلك كلّه نيّة صادقة وتوفيقٌ من الله.
ومنتجك قد يصل في يومٍ واحد إلى ملايين الأشخاص، في بقاعٍ لم تطأها قدمك.
هذا ليس امتيازًا، بل مسؤوليةٌ كبيرة.
كلمةٌ أخيرة
وخدمة كتاب الله شرفٌ لا يُدرَكه إلا مَن وُفِّق إليه.
فإن وُفِّقتَ لهذا الباب، فاحمد الله، ثم انزل من برجك التقني، وتحدث مع من حولك، وراقب، وأنصت، واسأل، وتعلّم.
فالمستخدم الذي تخدمه ليس "Persona" في ملف Figma، بل عبدٌ يقف بين يدي ربّه، يبحث عن أداةٍ تُعينه على فهم كلامه.
ولا أعلم شرفًا أعظم من أن نكون نحن تلك الأداة.
أحبّ أن أسمع منكم: ما الملاحظة الأغرب التي رأيتموها لمستخدم قرآني؟ وما الخاصيّة التي تتمنّون وجودها في تطبيقات المصحف ولا تجدونها؟